الأحد، 8 أغسطس 2021

نَضْدُ الجُمان في إجازات الإمام النَّوويِّ لأهل الزَّمان

 

نَضْدُ الجُمان في إجازات الإمام النَّوويِّ لأهل الزَّمان

بقلم: عبد الله بن محمَّد سعيد الحسيني

الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فالإجازة من طُرق التَّحمُّل والأداء التي تعني الإذن بالرِّواية لفظًا أو كتابةً، ولها أنواع عديدة، منها:

1-أن يُجيز الشَّيخُ مُعيَّنًا لمُعَيَّن: كأن يقول: أجزتُ فلان بن فلان في الكتاب الفُلاني.

2-أن يُجيز الشَّيخُ مُعيَّنًا في غير مُعَيَّن: كأن يقول: أجزتُ فلان بن فلان في جميع مسموعاتي ومرويَّاتي.

3-أن يُجيز الشَّيخُ لغير مُعيَّن بوصف العُموم: كأن يقول: أجزتُ المسلمين، أو كلَّ أحد، أو مَن أدرك زماني وعصري، وما أشبه ذلك.

وقد عَمِلَ الإمامُ أبو زكريَّا محيي الدِّين يحيى بن شَرَف بن مِرَى النَّوويُّ الدِّمشقيُّ (631 هـ-676 هـ) -تغمَّده الله بواسع رحمته- بالنَّوعَين الأوَّلَين، وجمعتُهما في دراسةٍ مستقلَّةٍ بعنوان: (تشنِيف الأسماع بما كَتبهُ الإمامُ النَّوويُّ لتلاميذه من طباق السَّماع).

وأمَّا النَّوع الثَّالث، فقد ذَهبَ الإمام النَّوويُّ إلى أنَّ الأصحّ جوازه، فقال [1]:

(الثَّالث: أن يُجيز لغير معيَّن بوصف العُموم: كأجزتُ المسلمين، أو كلَّ أحد، أو من أدرك زماني، ونحوه، فالأصحُّ أيضًا جوازها، وبه قطع القاضي أبو الطَّيِّب، وصاحبه الخطيب البغدادي، وغيرُهما من أصحابنا، وغيرهم من الحفَّاظ، ونقل الحافظ أبو بكر الحازمي المتأخِّر من أصحابنا أنَّ الذين أدركهم من الحفَّاظ كانوا يميلون إلى جوازها) ا.هـ.

روضة الطالبين، مكتبة أيا صوفيا، رقم (1195) [127/ب]

وذَكَرَ الحافظُ السَّخاويُّ عَمَلَ الإمام النَّوويِّ به في بعض تصانيفه، ورواية بعضهم عنه بهذا النَّوع، فقال [2]:

(وولدُهُ الوليُّ العراقي حدَّثَ عن اثنين من شُيُوخِهِ ممَّن دَخَلَ في عُموم إجازة النَّوويِّ، وهو أعني: النَّووي رحمه الله ممَّن صحَّح جوازها في زيادات الرَّوضة -فنقل الكلام أعلاه-، وصحَّحه أيضًا في غير الرَّوضة من تصانيفه).

ثمَّ قال:

(وعَمِلَ بها النَّوويُّ، فإنَّه قال -كما قرأتُهُ بخطِّهِ- في آخر بعض تصانيفه: وأجزتُ روايته لجميع المسلمين) ا.هـ.

وصرَّح بالتَّصنيف المقصود هذا في كتابٍ آخر، فقال [3]:

(وكان فراغُهُ من الأذكار -كما رأيتُهُ بنسخةٍ مقروءةٍ عليه- في المحرَّم سنة سبع وستين وستمائة، قال: سوى أحرف ألحقتُها، قال: وأجزتُ روايته لجميع المسلمين، انتهى) ا.هـ.

(المنهل العذب الرَّوي) بخطِّ مصنِّفه الحافظ السَّخاوي، خزانة الشَّيخ زهير الشَّاويش، رقم (169) [20-21]

وقد وفَّقني الله تعالى لتتبُّع عدَّة تصانيف للإمام النَّووي أَجازَ فيها عموم المسلمين من أهل عصره وزمانه، وتظهرُ في ثنايا تلك الإجازات الجليلة جُملة من عاداته النَّبيلة، ألخِّصها فيما يلي:

1-أنَّه يُجيز عموم المسلمين من أهل زمانه في فنون العلم المختلفة، كالحديث الشَّريف وعلومه: (إرشاد طلَّاب الحقائق إلى معرفة سنن سيِّد الخلائق صلَّى الله عليه وسلَّم، والإشارات إلى أسماء المبهمات، ومنهاج المحدِّثين وسبيل طالبيه المحقِّقين في شرح صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجَّاج القُشيري)، والرَّقائق والأذكار والآداب: (التَّرخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزيَّة من أهل الإسلام على جهة البر والتَّوقير والاحترام لا على جهة الرِّياء والإعظام، ومختصر التِّبيان في آداب حملة القرآن، وحلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدَّعوات والأذكار المستحبَّة في اللَّيل والنَّهار)، واللُّغة: (التَّحرير في ألفاظ التَّنبيه).

2-أنَّه يُجيز عموم المسلمين من أهل عصره، ويخصُّ بالإجازة أحيانًا -في الموضع نفسه- المشتغلين ببعض فنون العلم، كما في (إرشاد طلَّاب الحقائق إلى معرفة سنن سيِّد الخلائق صلَّى الله عليه وسلَّم).

3-أنَّه يُجيز المسلمين عامَّة من أهل عصره لفظًا وكتابةً، كما في (إرشاد طلَّاب الحقائق إلى معرفة سنن سيِّد الخلائق صلَّى الله عليه وسلَّم)، و(التَّرخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزيَّة من أهل الإسلام على جهة البر والتَّوقير والاحترام لا على جهة الرِّياء والإعظام).

4-أنَّه يُجيز المسلمين عامَّة من أهل عصره مع فراغه من بعض تصانيفه، كما في (حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدَّعوات والأذكار المستحبَّة في اللَّيل والنَّهار)، و(الإشارات إلى أسماء المبهمات)، و(التَّحرير في ألفاظ التَّنبيه)، و(منهاج المحدِّثين وسبيل طالبيه المحقِّقين في شرح صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجَّاج القُشيري)، ويُجيز بعد فراغه بفترة في أُخرى، كما في (إرشاد طلَّاب الحقائق إلى معرفة سنن سيِّد الخلائق صلَّى الله عليه وسلَّم)، و(التَّرخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزيَّة من أهل الإسلام على جهة البر والتَّوقير والاحترام لا على جهة الرِّياء والإعظام)، و(مختصر التِّبيان في آداب حملة القرآن).

فدُونك إجازات الإمام النَّوويِّ في مصنَّفاته لأهل زمانه وعصره بنُصوصها منضودةً مرتَّبةً زمنيًّا:

1-«إرشاد طلَّاب الحقائق إلى معرفة سنن سيِّد الخلائق صلَّى الله عليه وسلَّم» المعروف اختصارًا بـ:«الإرشاد»:

قال الإمام النَّووي:

(فرغتُ منه:

الظُّهر يوم السَّبت حادي عشر من شهر رمضان سنة ثلاث وستِّين وستمائة بالمدرسة الرَّواحيَّة بدمشق، حماها الله وصانها وسائر بلاد الإسلام.

أجزتُ رواية هذا الكتاب عنِّي لجميع المسلمين.

أجزتُ روايته لجميع المشتغلين بعلم الحديث أو سماعه.

أجزتُ روايته لجميع المشتغلين بالفقه من الطَّوائف.

كتبَهُ، مصنِّفُهُ:

يحيى بن شرف النَّواوي، وتلفَّظ بالإجازة، عفا الله عنه.

وذلك يوم الخميس الثَّاني والعشرين من شعبان سنة خمس وستين وستمائة) ا.هـ.

التَّقريب والتَّيسير، مكتبة تشستربيتي، رقم (3271) [38/أ]

2-«التَّرخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزيَّة من أهل الإسلام على جهة البر والتَّوقير والاحترام لا على جهة الرِّياء والإعظام»:

قال الإمام النَّووي:

(فرغتُ من جمعه:

آخر يوم السَّبت الثَّاني والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وستين وستمائة.

أجزتُ رواية هذا الكتاب لأهل زماني.

كتبَهُ، مصنِّفُهُ:

يحيى النَّووي، عفا الله عنه.

يوم الثُّلاثاء الثَّاني من ذي القعدة سنة خمس وستين وستمائة.

وتلفَّظ بالإجازة) ا.هـ.

التَّرخيص، المكتبة البديرية، رقم (249) [82/ب]

الترخيص، المكتبة الظاهرية، رقم (6704)

3-«مختصر التِّبيان في آداب حملة القرآن»:

قال الإمام النَّووي:

(ابتدأتُ فيه:

يوم الخميس الثَّالث من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وستمائة.

وفرغتُ من تصنيفه:

ليلة الثلاثاء الثَّامن من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وستمائة).

ثمَّ قال:

(أجزتُ روايته لجميع المسلمين.

كَتَبَ هذه الإجازة:

في رابع عشرين رجب المبارك سنة ست وستين وستمائة)ا.هـ.

مختصر التبيان، مكتبة مسجد الأقصى، رقم (847) [17/ب]

4-«حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدَّعوات والأذكار المستحبَّة في اللَّيل والنَّهار» المعروف اختصارًا بـ:«الأذكار»:

قال الإمام النَّووي:

(فرغتُ من جمعه:

في المحرَّم سنة سبع وستين وستمائة، سوى أحرف ألحقتها بعد ذلك.

وأجزتُ روايته لجميع المسلمين) ا.هـ.[4]

الأذكار، مكتبة عاطف أفندي، رقم (1524) [242/ب]

5-«الإشارات إلى أسماء المبهمات»:

قال الإمام النَّووي:

(فرغتُ من هذا الكتاب:

ليلة الأربعاء العشرين من شعبان سنة سبع وستين وستمائة.

وأجزتُ روايته لجميع المسلمين) ا.هـ.

الإشارات، مكتبة مسجد الأقصى، رقم (62) (ف 95) [26/أ]

6-«التَّحرير في ألفاظ التَّنبيه»:

قال الإمام النَّووي:

(فرغتُ منه:

يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي الحجَّة سنة إحدى وسبعين وستمائة.

أجزتُ روايته لجميع المسلمين) ا.هـ.

مكتبة الأحقاف، رقم (184)

7-«منهاج المحدِّثين وسبيل طالبيه المحقِّقين في شرح صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجَّاج القُشيري»:

قال الإمام النَّووي:

(فرغتُ منه:

أوَّل يوم الاثنين الثَّالث والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وستمائة.

وأجزتُ روايته لجميع المسلمين) ا.هـ.

الجزء الرَّابع من منهاج المحدِّثين، مكتبة آيا صوفيا، رقم (700) [255/ب]

 

هذا والله أعلم.

وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله، وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

--------------

[1] (روضة الطَّالبين) (11/158)، وانظر: (إرشاد طلاب الحقائق) (1/373-377)، و(التَّقريب والتَّيسير) (ص 59).

[2] (فتح المغيث) (2/414-415).

[3] (المنهل العذب الرَّوي) (ص 74).

[4] جاء في نسخة محفوظة منه بمكتبة جامعة تورنتو بكندا ما نصُّه: (وأجزتُ روايته [لمن قرأه عليَّ أو سمعه و] لجميع المسلمين) ا.هـ، بزيادة ما بين المعقوفتين، ثمَّ قال النَّاسخ: (كذا وجدت على نسخة عليها خطُّ المؤلِّف) ا.هـ، ويظهر لي أنَّها مُقحمة وهمًا في كلام الإمام النَّووي؛ لأنَّ النُّسخة تفرَّدت بها من بين سائر نُسخهِ النَّفيسة المتقدِّمة، وتخالف عاداته المعروفة، والله أعلم.

الأربعاء، 28 يوليو 2021

إتحاف الرَّاغبين بما نَقَلَهُ الذَّهبيُّ عن ابن العطَّار ممَّا ليس في كتابه تُحفة الطَّالبين

 

إتحاف الرَّاغبين

بما نقله الذَّهبيُّ عن ابن العطَّار ممَّا ليس في كتابه تُحفة الطَّالبين

بقلم: عبد الله بن محمَّد سعيد الحسيني

          الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فقد صرَّح الإمامُ الحافظُ مؤرِّخُ الإسلام شمس الدِّين أبو عبد الله محمَّد ابن أحمد بن عثمان الذَّهبيُّ (المتوفى 748 هـ) أثناء ترجمته لشيخ الإسلام محيي الدِّين أبي زكريَّا يحيى بن شرف بن مِرَى النَّووي (المتوفى 676 هـ) في عدَّة مواضع من كُتُبهِ بالنَّقلِ عن شيخه وأخيه من الرَّضاعة الإمام العالم علاء الدِّين أبي الحَسن علي بن إبراهيم بن داود ابن العطَّار (المتوفى 724 هـ) (1)، وجُلُّها مُقتبسةٌ من كتاب شيخه: (تُحفة الطَّالبين في ترجمة شيخنا الإمام النَّووي محيي الدِّين)(2)، الذي هو عُمدتُهُ (بل عُمدةُ كلِّ مَن أَتَى بعدَهُ) (3).

وفي كتابه (تاريخ الإسلام) ثلاثة مواضع صرَّح فيها بالنَّقل عنه ممَّا ليس في كتاب (تحفة الطَّالبين)، وهي كالتَّالي:

الموضع الأوَّل:

قال في (تاريخه) (15/325):

(قالَ ابنُ العطَّار: قالَ لي الشَّيخُ.. قالَ: وبَقِيتُ أكثر من شهرين أو أقلّ لمَّا قرأتُ: يجبُ الغُسْلُ من إيلاج الحَشَفَة في الفَرْج، أعتقدُ أنَّ ذلك قَرْقَرَة البطن، وكنتُ أستحمُّ بالماء البارد كُلَّما قَرْقَرَ بطني) ا.هـ. (4)

تاريخ الإسلام بخطِّ مصنِّفه الحافظ الذَّهبي، مكتبة آيا صوفيا، رقم (3014) [42/أ]

وفصَّل ذلك في موضع آخر، فقال (5):

(حدَّثنا الشَّيخ علاء الدِّين ابن العطَّار، قال: خَتمتُ القرآن، وبعد ذلك جرى بين الصِّبيان أنَّ الولد يكونُ من المجامعة، ويَخرجُ من الفَرْج، فأنكرتُ ذلك، وقلتُ: لا تَلدُ المرأةُ إلَّا مِن سُرَّتها! قال: واحتلمتُ وعُمري [اثنتا عشرة] (6) سنة، فبقيتُ ثمانية أشهر أَحتلِمُ، ويَبقَى المنيُّ في لباسي كالقمل، ويَشُوكُني، وأنا لا أدري! إلى يومٍ قلتُ لإنسانٍ [يُعالِجُ] (7): إنِّي أَجِدُ كيت وكيت، فوضعَ أصبعه على أنفي وجَسَّهُ، ثمَّ قال لي: بَلَغْتَ، فذَهبتُ إلى أُمِّي، وقُلتُ لها، وكانت ترى ذلك، ولا تعلم أبي، قال: فاستَفتَيتُ شيخَنا محيي الدِّين النَّووي في قضاء الصَّلوات، فقال: أُخبِرُكَ بعجيبةٍ، قَدِمتُ دمشق، وقَرَأتُ في «التَّنبيه«، فحفظتُ فيه، فلمَّا قَرأتُ: «ويجبُ الغُسْلُ على الرَّجُل من شيئين: من خروج المنيِّ، ومن إيلاج الحَشَفَةِ في الفَرْجِ«، أُلقِيَ في نفسي أنَّ إيلاج الحَشَفَةِ في الفَرْجِ إنَّما هو قَرْقَرَةُ البطن، وكُنتُ في إِيوان الرَّواحيَّة مُقِيمًا، ولا بيتَ لي بعدُ، وأَتكفَّى بخزانة المدرسة، فكُنتُ كُلَّما وَجَدتُ قَرْقَرَةً، ذَهَبتُ إلى طهارةِ جَيرُون أَغتسِلُ، ورُبَّما تمَّ ذلك غير مرَّة في اليوم، - قال الشَّيخ علاء الدِّين: وكان عُمر الشَّيخ إذا ذاك عشرين سنة أو [تسع عشرة] (8) - قال: وبَقِيتُ أَغتسِلُ مِن ذاك مُدَّة حتَّى عَرَفتُ) ا.هـ.

الفرائد والفوائد الملتقطة من تذكرة البرهان ابن جماعة بخطِّ الحافظ ابن طُولُون، مكتبة تشستربيتي (3101) [291/أ]

الموضع الثَّاني:

قال في (تاريخه) (15/330):

(وعَزَمَ عليه الشَّيخُ برهان الدِّين الإسكندرانيُّ أن يُفطرَ عنده في رمضان، فقال: أَحضِرِ الطَّعامَ إلى هُنا، ونفطرُ جُملةً، قالَ أبو الحَسن: فأَفْطَرْنا ثلاثَتنا (9) على لونَين من طعام أو أكثر، وكان الشَّيخُ يَجمَعُ إدامَين بعض الأوقات) ا.هـ. (10)

تاريخ الإسلام بخطِّ مصنِّفه الحافظ الذَّهبي [45/أ]

الموضع الثَّالث:

قال في (تاريخه) (15/332):

(وحَكَى لنا الشَّيخُ أبو الحسن ابن العَطَّار أنَّ الشَّيخَ قَلَعَ ثوبَهُ، فَفَلَاهُ بعضُ الطَّلبةِ، وكان فيه قَمْلٌ، فَنهاهُ، وقالَ: دَعْهُ) ا.هـ. (11)

تاريخ الإسلام بخطِّ مصنِّفه الحافظ الذَّهبي [46/ب]

***

وهذه المواضعُ الثَّلاث التي صرَّح فيها الحافظ الذَّهبيُّ بالنَّقل عن شيخه الإمام ابن العطَّار ممَّا ليس في كتاب (تحفة الطَّالبين) -وكذلك مواضع أخرى في هيئة الإمام النَّووي وصفاته وشؤونه وأحواله، هي منقولةٌ عنه بلا ريب وإن لم يُصرِّح بذلك-، قد تَلَقَّاها مُشافَهةً سَماعًا منه بدلالة صيغ التَّحديث التي ذكرها (حدَّثنا، حَكَى لنا)، وذلك -فيما يظهرُ لي- أثناء قراءة الكتاب عليه (12)، لا سيَّما أنَّ ابن العطَّار اقتصَرَ فيه على ذِكر بعض مناقب شيخه وأحواله، ونصَّ على أنَّ وقائعه معه والأمور التي رآها منه تَحتملُ مجلَّدات، فقال في المقدّمة (ص 37): (فلمَّا كان لشيخي وقُدوتي إلى الله تعالى، الإمام الرَّباني أبي زكريَّا يحيى بن شرف الحِزَامي النَّواوي -تغمَّده الله برحمته، وأسكنه جنَّات النَّعيم، وجَمَعَ بيني وبينه في دار كرامته، إنَّه جواد كريم- عليَّ من الحقوق المتكاثرة، ما لا أطيق إحصاءها؛ بَعَثَني ذلك على أن أَجمَعَ كتابًا في بعض مناقبِهِ، ومآثرِهِ، وكيفيَّة اشتغالِهِ، وما كان عليه من الصَّبر على خُشونة العيش، وضِيق الحال، مع القدرة على التَّنعُّم والسَّعة في جميع الأحوال) ا.هـ، وقال (ص 97): (وجَرَى لي (13) مَعَهُ وقائع، ورَأَيتُ منه أُمورًا تَحتملُ مجلَّدات) ا.هـ.

هذا والله أعلم.

وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله، وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

------------

(1) انظر: (سير أعلام النُّبلاء) (ص 340-344)، و(تاريخ الإسلام) (15/324-332)، و(تذكرة الحفَّاظ) (4/174-176).

(2) هذا هو العنوان الصَّحيح التَّام للكتاب، كما في النُّسخة الخطِّية النَّفيسة المحفوظة بخطِّ أخيه داود ابن العطَّار والتي قُوبلت على نسخة المصنِّف، وقد وَصَفَ الحافظ الذَّهبيُّ هذا الكتابَ بوصفَين دقيقَين، أحدهما: يتعلَّق بعدد كراريسه، حيث قال في (تذكرة الحفَّاظ) (4/175)، و(سير أعلام النُّبلاء - الجزء المفقود) (ص 342) ما نصُّه: (وقد جَمَعَ ابن العطَّار سيرته في ستِّ كراريس) ا.هـ ، وهذا العدد قريبٌ جدًّا من نسخة داود التي تقع في نحو خمس كراريس، خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار تفاوت حجم الأوراق والخطوط وعدد الأسطر من ناسخ لآخر، وثانيهما: يتعلَّق بالمراثي التي فيه، حيث قال في (تاريخ الإسلام) (15/332) ما نصُّه: (وقد رثاهُ غيرُ واحد يبلغون عشرين نَفْسًا بأكثر من ستّمائة بيت، منهم: مجد الدِّين ابن الظّهير، وقاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى، ومجد الدِّين ابن المهتار، وعلاء الدِّين الكِندي الكاتب، والعفيف التِّلمساني الشَّاعر) ا.هـ، وهذا العدد يكاد يتطابق مع نسخة داود التي بلغ فيها عدد من رثاه  22 نفسًا، وعدد أبيات جميع المراثي 631 بيتًا.

تنبيه: أَدرجَ الحافظ السَّخاويُّ في (المنهل العذب الرَّوي) (ص 221) في كلام الحافظ الذَّهبي عن المراثي هنا ما نصُّه: (أَوردَ الكثير من ذلك ابنُ العطَّار) ا.هـ، ثمَّ قال (ص 223): (وأَوهمَ كلامُ الذَّهبي أنَّ مجموع ذلك لم يُورده ابن العطَّار، بل أكثره، وكأنَّه لم تقع له النُّسخة المُوفية) ا.هـ.

(المنهل العذب الرَّوي) بخطِّ مصنِّفه الحافظ السَّخاوي، خزانة الشَّيخ زهير الشَّاويش، رقم (169) [118، 119]

 قُلتُ: ليس الأمر كما قال، بل اطَّلعَ الحافظ الذَّهبيُّ يقينًا على الكتاب كاملًا بمراثيه بدلالة الوصفَين السَّابقَين، وأمَّا ما أدرجه الحافظ السَّخاويُّ في كلامه، فلم نقف عليه في نُسخة (تاريخ الإسلام) المحفوظة بخطِّه، ولا في طبعاته المحقَّقة التي بين أيدينا، والظَّاهر أنَّه حاشية لغيره أُدرِجَت في كلامه، والله أعلم.

تاريخ الإسلام بخطِّ مصنِّفه الحافظ الذَّهبي [46/ب]

(3) قاله الحافظ السَّخاوي في (المنهل العذب الرَّوي) (ص 181).

(4) قال الحافظ السَّخاوي في (المنهل العذب الرَّوي) (ص 56): (وأَدْرَجَ الذَّهبيُّ في تاريخ الإسلام في كلام ابن العطَّار هُنا ممَّا لم أرَهُ في النُّسخة التي وقفتُ عليها)، فساق النَّص أعلاه، ثمَّ قال: (والظَّاهرُ أنَّ الحياء كان يمنعُهُ السُّؤالَ عن ذلك) ا.هـ.

(المنهل العذب الرَّوي) بخطِّ مصنِّفه الحافظ السَّخاوي [10]

قُلتُ: قد حصل هذا الموقف للإمام النَّووي أوَّل قدومه إلى مدينة دمشق سنة 649هـ تقريبًا مع بدايات طلبه للعلم وإقباله على حفظ كتاب (التَّنبيه)، وأراد بتلك الحكاية العجيبة أن يُؤانس تلميذه، ويُلاطفه، ويُسكِّن من رَوعه، ويَرفق بحاله، ويُبيِّن له أنَّ مثل هذا لا يَسلمُ منه أحدٌ، وهذا السُّلوك التَّربويُّ يندرج ضمن ما دوَّنه ابن العطَّار عن علاقة شيخه به، فقال في كتابه (تحفة الطَّالبين) (ص 52-53): (كان رحمه الله رفيقًا بي، شفيقًا عليَّ .. مع مراقبته لي رضي الله عنه في حركاتي وسكناتي، ولُطفِهِ بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كلِّ شيء حتَّى الخطرات، وأعجزُ عن حصر ذلك) ا.هـ، والله أعلم.

(5) هذا النَّصُّ الفريد منقول من خطِّ الحافظ ابن طُولُون في كتابه: (الفرائد والفوائد الملتقطة من تذكرة العلَّامة البرهان إبراهيم بن جماعة الشَّافعي) المحفوظ في مكتبة تشستربيتي برقم (3101) [291/أ]، عن (تذكرة ابن جماعة) بخطِّه، عن شيخه الحافظ الذَّهبي، عن شيخه وأخيه من الرَّضاعة علاء الدِّين ابن العطَّار، وأفادني به مشكورًا مأجورًا الشَّيخ المحقِّق المفيد د. محمَّد بن عبد الله السّريّع، لا حرمنا الله درره.

(6) في الأصل: (اثنا عشر)، والصَّواب المثبت أعلاه ما بين المعقوفتَين.

(7) في الأصل: (يلاج)، ولعلَّ الصَّواب المثبت أعلاه ما بين المعقوفتَين، كما أفادني بذلك فضيلة شيخنا الجليل العلَّامة المحقِّق نظام يعقوبي العبَّاسي، حفظه الله تعالى ونفعنا به وبعلومه.

(8) في الأصل: (تسعة عشر)، والصَّواب المثبت أعلاه ما بين المعقوفتَين.

(9) في (المنهل العذب الرَّوي) بخطِّ الحافظ السَّخاوي: (ثلاثِين)، والصَّواب المُثبت أعلاه من خطِّ الحافظ الذَّهبي.

(10) قال الحافظ السَّخاوي في «المنهل العذب الرَّوي« (ص 147-148): (وفيما أَدْرَجَهُ الذَّهبيُّ في كلام ابن العطَّار ممَّا لم أَقف عليه في النُّسخة التي وقفتُ عليها)ا.هـ، فساق النَّص أعلاه.

(المنهل العذب الرَّوي) بخطِّ مصنِّفه الحافظ السَّخاوي [61]

(11) قال الحافظ السَّخاوي في (المنهل العذب الرَّوي) (ص 150): (وقَلَعَ ثَوبَهُ، فَفَلَاهُ بعض الطَّلبة، وكان فيه قملٌ، فنهاهُ، وقال: دَعْهُ) ا.هـ، ولم يُشر إلى أنَّه من إدراج الذَّهبي في كلام ابن العطَّار ممَّا لم يقف عليه في (تحفة الطَّالبين).

(المنهل العذب الرَّوي) بخطِّ مصنِّفه الحافظ السَّخاوي [62]

قُلتُ: قد نصَّ الإمام النَّووي في (المجموع) (7/317) و(منهاج المحدِّثين وسبيل طالبيه المحقِّقين في شرح صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجَّاج القُشيري) (11/185) على استحباب قتل القمل وغيره من المؤذيات، وجواز تفليته من الرَّأس أو من غيره وقتله، وأراد بهذا الموقف أن يُبيِّن له أنَّه يَتولَّى ذلك بنفسه دون خدمةٍ من أحد، وهذا ممَّا حكاهُ عنه تلميذه ابن العطَّار، فقال في كتابه (تحفة الطَّالبين) (ص 52): (لا يُمكِّن أحدًا من خدمتِهِ غيري على جَهدٍ منِّي في طَلَبِ ذلك منهُ) ا.هـ، والله أعلم.

(12) كان الإمام ابن العطَّار ممَّن يعتني بإقراء كُتُبِهِ في مجالس القراءة والسَّماع، ومنها هذا الكتاب، فقد وَقَفَ الحافظُ السَّخاويُّ كما في (المنهل العذب الرَّوي) (ص 181-182) على نُسخةٍ منه بخطِّ تلميذِهِ: محمَّد بن محمَّد بن زكريَّا بن يحيى بن مسعود بن غنيمة السُّوَيداوي القدسي (المتوفى 731 هـ)، كَتَبَهَا: بالخانقاه السُّميساطيَّة بدمشق، وسمعها على مؤلِّفها بمنزله بدار الحديث النُّوريَّة بدمشق قبل وفاته بأشهر، بقراءة: المحدِّث ناصر الدِّين أبي عبد الله محمَّد بن طغريل بن عبد الله ابن الصَّيرفي (المتوفى 737 هـ)، سوى ورقتين، فبقراءته، وذلك في ثلاث مجالس، آخرها: يوم الأربعاء 16 من شهر ربيع الآخر سنة 724 هـ، وصحَّحَ المؤلِّف بخطِّهِ.

(المنهل العذب الرَّوي) بخطِّ مصنِّفه الحافظ السَّخاوي [87]

(13) سقطت كلمة (لي) من المطبوع، وأثبتُّها من النُّسخة الخطِّيَّة المعتمدة فيه المحفوظة بخطِّ أخيه داود [12/أ].