الجمعة، 27 ديسمبر 2024

تجليةُ الجمال فيما بين الإمام النَّووي وشيخه المَغْرِبي الكمال

 

تجليةُ الجمال فيما بين الإمام النَّووي وشيخه المَغْرِبي الكمال

بقلم: عبد الله بن محمَّد سعيد الحُسيني

الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فقد قرَّر الإمام محيي الدِّين أبو زكريَّا يحيى بن شرف بن مِرَى النَّووي الدِّمشقي (المتوفَّى676هـ) رحمه الله تعالى جملةً من أهمِّ الآداب التي ينبغي للمتعلِّم أن يتحلَّى بها مع معلِّمه، ونراها تتجلَّى في سيرته مع شيوخه، منهم: شيخه الإمام، المفتي، الفقيه، الزَّاهد، كمال الدِّين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المَغْرِبي المقْدسي الدِّمشقي الشَّافعي (المتوفَّى650هـ) رحمه الله تعالى.

فمن ذلك:

أوَّلًا: أنَّه كان يُصرِّح بأنَّه أوَّل شيوخه الذين أخذ عنهم الفقه الشَّافعي؛ إيذانًا منه بسابق فضله الكبير عليه، وتقديرًا لجهوده العظيمة في تنشئته العلميَّة، فيقول [1]: «فأمَّا أنا فأخذتُ الفقه: قراءةً، وتصحيحًا، وسماعًا، وشرحًا، وتعليقًا عن جماعاتٍ، أوَّلُهم«، فذَكَرَه.

ثانيًا: أنَّه كان يثني عليه غاية الثَّناء في مصنَّفاته ناعتًا إيَّاه بأكثر من وصف، ويخصُّه من بين شيوخه في الفقه بلقب «شيخِي« الذي يحمل دلالة على أنَّه الأكثر تأثيرًا عليه والأبرز اختصاصًا به، فيقول [2]: «شيخِي، الإمام، المتَّفق على علمه، وزهده، وورعه، وكثرة عباداته، وعِظَم فضله، وتميُّزه في ذلك على أشكاله، أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي ثمَّ المقدسي، رضي الله عنه وأرضاه، وجمع بيني وبينه وبين سائر أحبابنا في دار كرامته مع من اصطفاه« ا.هـ.

ويقول [3]:

«شيخنا، الإمام، العالم، الزَّاهد، الورع، ذي الفضائل والمعارف، أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان ‌المَغْرِبي الشَّافعي« ا.هـ.

ويقول [4]:

«شيخُنا أبو ابراهيم إسحاق بن أحمد المقدسي، الفقيه، الإمام، الزَّاهد« ا.هـ.

ويقول [5]:

«شيخنا، وسيِّدنا، الشَّيخ، الإمام، الجليل، العلَّامة، العالم، العامل، الزَّاهد، العابد، الورع، مجموع أنواع المحاسن، كمال الدِّين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المَغْرِبي ثمَّ المقْدِسي ثمَّ الدِّمشقي الشَّافعي رضي الله عنه« ا.هـ.

ثالثًا: أنَّه كان يلازم شيخه ملازمة تامَّة منذ قدومه إلى مدينة دمشق سنة 649هـ وحتَّى وفاته آخر سنة 650هـ، مقتصرًا عليه دون غيره -فيما يظهر-، ويرجع إليه، ويعرض عليه شرحه للمسائل لمراجعتها وتصحيحها وإتقانها حتَّى كان «أكثر انتفاعه عليه« [6]، فيقول [7]: «وجعلتُ أَشرحُ وأُصحِّحُ على شيخنا، الإمام، العالم، الزَّاهد، الورع، ذي الفضائل ‌والمعارف، أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي الشَّافعي رحمه الله، ولازمتُهُ« ا.هـ.

رابعًا: أنَّه كان يحرص على تدوين اختيارات شيخه الفقهيَّة بصورة أكبر مقارنةً ببقيَّة شيوخه، خاصَّة في مصنَّفاته المتقدِّمة، مثل: «نُكت التَّنبيه« [8].

خامسًا: أنَّه كان يعتني بالآثار العلميَّة لشيخه عناية خاصَّة، ومن ذلك: نَسخُهُ لفتاوى الإمام ابن الصَّلاح (المتوفَّى 643هـ) التي قام شيخُه بجمعها وترتيبها حتَّى صارت هي النُّسخة المعتمدة، فيقول [9]: «هذه الفتاوى صَدَرَت من الشَّيخ، الإمام، العالم، العامل، مفتي الشَّام، شيخ الإسلام، تقي الدِّين أبي عَمرو عثمان بن عبد الرَّحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النَّصري الشَّهْرُزُوري المعروف بابن الصَّلاح -أثابه الله الجنَّة، وغفر له، ولهم، وللمسلمين أجمعين، آمين- اعتَنَى بجمْعها وترتيبها على حسب الإمكان من تلامذته وأصحابه: شيخُنا، وسيِّدنا، الشَّيخ، الإمام، الجليل، العلَّامة، العالم، العامل، الزَّاهد، العابد، الورع، مجموع أنواع المحاسن، كمال الدِّين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المَغْرِبي ثمَّ المقدسي ثمَّ الدِّمشقي الشَّافعي رضي الله عنه، طلبًا للفائدة، ورجاءً للأجر والمثوبة، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها، إنَّه قريب مجيب، وعلى ذلك قدير، وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكَّلت وإليه أنيب« ا.هـ.

سادسًا: أنَّه كان من أبرز شيوخه الذين يحرص على زيارة قبورهم، والدعاء لهم بواسع الرحمة وعظيم المغفرة، ويبكي تأثرًا بفقدهم واعترافًا بجزيل فضلهم عليه، خاصَّة بعد شعوره بدنوِّ أجله، قال تلميذه علاء الدِّين علي بن إبراهيم ابن العطَّار (المتوفى 724هـ)[10]: «قال لي: (قُم حتَّى نودِّع أصحابنا وأحبابنا)، فخرجتُ معه إلى القبور التي دُفن فيها بعض مشايخه، فزارهم، وقرأ شيئًا، ودعا، وبكى« ا.هـ.

سابعًا: أنَّه كان يدعو له دعوات خاصَّة في مصنَّفاته، فيقول [11]: «رضي الله عنه وأرضاه، وجمع بيني وبينه وبين سائر أحبابنا في دار كرامته مع من اصطفاه« ا.هـ، ولا يكاد يذكره في موضعٍ إلَّا ترحَّم عليه وترضَّى، كما كان يشمله بدعوات عامَّة [12].

ثامنًا: أنَّه كان يقتفي آثاره في أنواع من العبادات [13]، والمحافظة على الأوقات، ممَّا كان له دورٌ بارزٌ في تكوينه علمًا وعملًا.

قال والده [14] :

«و[كان] يقتفي آثار شيخه المذكور في العبادة؛ من الصَّلاة، وصيام الدَّهر، والزُّهد، والورع، وعدم إضاعة شيء من أوقاته إلى أن توفِّي رحمه الله، فلمَّا توفِّي شيخه المذكور؛ ازداد اشتغاله بالعلم والعمل« ا.هـ

وقال تلميذه ابن العطَّار [15] :

«قال لي شيخنا القاضي أبو المفاخر محمَّد بن عبد القادر الأنصاري رحمه الله تعالى: (لو أَدركَ القُشَيريُّ صاحب (الرِّسالة) شيخَكُم وشيخَهُ؛ لما قدَّم عليهما في ذِكرهِ لمشايخها أحدًا؛ لما جُمع فيهما من العلم، والعمل، والزُّهد، والورع، والنُّطق بالحِكَم، وغير ذلك)«.

***

ومن أهمِّ آداب الشَّيخ مع طلَّابه ما عبَّر عنه الإمام النَّووي في غير موضعٍ، فقال [16]: «وينبغي أن يحرِّضهم على الاشتغال في كلِّ وقتٍ، ويطالبهم في أوقات بإعادة محفوظاتهم، ويسألهم عمَّا ذكره لهم من المهمَّات، فمَن وجده حافظه مراعيًا له: أكرمه، وأَثنى عليه، وأشاع ذلك، ما لم يخف فساد حاله بإعجابٍ ونحوه« ا.هـ، وقال [17] : «وينبغي للمعلِّم أن يُظهر فضل الفاضل، ويُثني عليه بذلك؛ ترغيبًا له وللباقين في الاشتغال والفكر في العلم، وليتدرَّبوا بذلك، ويعتادوه« ا.هـ، وقال [18] : «وأن يكون حريصًا على تفهيمهم، وأن يعطي كلَّ إنسان منهم ما يليق به، فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار، ولا يقصر لمن يحتمل الزِّيادة، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم، ويُثني على مَن ظهرت نجابَتُهُ، ما لم يخش عليه فتنة بإعجابٍ أو غيره« ا.هـ.

ونجد هذا الأدب الجمّ ماثلًا في سيرة الإمام المَغْرِبي مع تلميذه الإمام النَّووي.

فمن ذلك:

أوَّلًا: أنَّه كان يأذن له بعرض شرحه للمسائل عليه، ويصحِّحها له، ويُشرف عليه.

ثانيًا: أنَّه كان معجبًا به غاية الإعجاب، ويحبُّه محبَّة شديدة، وتجمعه به مودَّة أكيدة؛ لما عاينه منه من ملازمة تامَّة، و«ممَّا رأى من حرصه، واجتهاده، وعبادته، وقلَّة اختلاطه بالجماعة، وشدَّة ذكائه لما يشرحه له« [19] ، وتفرُّد نباهته.

ثالثًا: أنَّه كان يثق به ثقة عظيمة قلَّ نظيرها حتى أَسند إليه مهمَّة إعادة الدُّروس في حلقته لأكثر الطَّلبة، «وما جعله معيدًا لولا أنَّه رأى أهليَّته للإعادة وإن لم يتجاوز الوقت الذي لا يصل إليها غيره حتَّى يجتازه؛ لأنَّ الإعادة ليست يسيرة، فإنَّ المعيد عليه قدرٌ زائدٌ على سماع الدَّرس، من تفهيم بعض الطَّلبة، ونفعهم، وعمل ما تقتضيه لفظ الإعادة، كما أنَّ من شأنه أن يكون من صلحاء الفضلاء، وفضلاء الصُّلحاء، صبورًا على أخلاق الطَّلبة، حريصًا على فائدتهم، وانتفاعهم به« [20]، قال الإمام النَّووي واصفًا ذلك [21]: «وجعلتُ أَشرحُ وأُصحِّحُ على شيخنا، الإمام، العالم، الزَّاهد، الورع، ذي الفضائل ‌والمعارف، أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي الشَّافعي رحمه الله، ولازمتُهُ، فأُعجبَ بي؛ لما رَأى من اشتغالي، وملازمتي، وعدم اختلاطي بالنَّاس، وأحبَّني محبَّةً شديدةً، وجعلني أُعيدُ الدُّروس في حلقته لأكثر الجماعة« ا.هـ.

***

تنبيه (1):

الصَّحيح في لقبه هو: (المَغْرِبي)، بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة، وكسر الرَّاء، بعدها باء منقوطة بواحدة، وذلك لعدَّة قرائن، منها:

1-أنَّ تلميذه الإمام النَّووي لقَّبه بذلك عند حديثه عنه باعتباره أوَّل شيوخه الذين تلقَّى عنهم الفقه [22].

2-أنَّه كرَّر تلقيبه به في مقدِّمة نَسْخِهِ لفتاوى الإمام ابن الصَّلاح التي جمَعَها شيخُه المذكور[23].

3-أنَّ جميع مَن نَقَلَ عن الإمام النَّووي قد أقرَّه عليه دون أيَّ تعقب، وفي مقدِّمتهم تلميذه العلاء ابن العطَّار في كتابه «تحفة الطَّالبين في ترجمة شيخنا الإمام النَّووي محيي الدِّين«، وذلك في موضعَين، أوَّلهما: سماعًا من لفظِهِ، وثانيهما: نقلًا عن كتابه «تهذيب الأسماء واللُّغات« [24].

فإن قيل: جاء في «المذيَّل على الرَّوضتين« (2/101) للإمام أبي شامة المقدسي (المتوفى 665هـ) أنَّ لقبه هو: (المَعَرِّي)، أي: بفتح الميم والعين المهملة، وكسر الرَّاء المشدَّدة.

فالجواب عنه: أنَّ النُّسخ الخطِّيَّة لكتاب «المذيَّل« لم تتَّفق على هذا اللَّقب، فقد جاء في طبعة القاهرة سنة 1366هـ (ص 187): (المُقْرِئ)، وفي النُّسخة التي اعتمَدَها الأستاذ إبراهيم الزيبق أصلًا في تحقيق الكتاب (2/101): (المَدَنِي)، وفي نسخة خطِّيَّة أُخرى [25]: (المِزِّي)، ممَّا يشير إلى وجود اضطرابٍ قديمٍ في هذا اللَّقب في الكتاب، ولو سلَّمنا أنَّه فيه كذلك فإنَّه وَهْمٌ منه، وما أَثبتَهُ الإمام النَّوويُّ مُقدَّم عليه؛ لأنَّه تلميذه الخاص، والملازم له، وأَعرف النَّاس به حتَّى جعله مُعيد دروسه في حلقته، ومثلُهُ لا يدوِّن ذلك في تصانيفه أو يكرِّرهُ في منسوخاته أو يتلفَّظُ به إلَّا عن درايةٍ تامَّةٍ به.

وإن قيل: إنَّ من مرجِّحات لقب (المَعَرِّي) على (المَغْرِبي) أنَّه محفوظ كذلك بخطِّ الإمام الذَّهبي (المتوفى 748هـ) في كتابه «تاريخ الإسلام« [26] .

فالجواب عنه: أنَّ الإمام الذَّهبي أَثبتَ بخطِّه أيضًا في الكتاب نفسه لقب (المَغْرِبي) في موضعَين من ترجمته للإمام النَّووي [27]، بل ضَبطَهُ بالحركات لمَّا تَرجم له في وفيات سنة 656هـ، فقال: «إسحاق بن أحمد بن عثمان، الإمام، الفقيه، كمال الدِّين المَغرِبي ثمَّ المقدسي الشَّافعي، من كبار الشَّافعية، كان موصوفًا بمعرفة المذهب والدِّيانة والفضل، أخذ عنه: الشَّيخ محيي الدِّين النَّواوي وغيره« [28] ، نعم ضرب على التَّرجمة لاحقًا وذكر أنها مكرَّرة وأحال على وفيات سنة 650هـ ولقَّبه فيها بـ (المَعَرِّي) دون الإشارة إلى تتلمذ الإمام النَّووي عليه، وهذا وَهْمٌ منه، تَبِعَ في ذلك بعضَ نُسخ «المذيَّل« أو الإمامَ أبا شامة المقدسي، والصَّواب أن نعتمد تلقيبه له بـ (المَغْرِبي)؛ لتطابقه مع ما أَثبته الإمام النَّووي نفسه بخلاف (المَعَرِّي)، ولإيراده له مع ضبطه دون غيره في التَّرجمة التي ذكر فيها تتلمذ الإمام النَّووي عليه.

تنبيه (2):

الصَّحيح أنَّ وفاة الإمام الكمال المَغْرِبي كانت في 28 من شهر ذي القعدة سنة 650هـ[29] .

وهكذا «قاله الذَّهبي في (العِبَر)، ثمَّ سَهَا -وتبعه آخرون- فذَكَرَهُ في الذين تُوُفُّوا في سنة ستٍّ وخمسين [30]« [31] ، وذكره أيضًا في وفيات السَّنة نفسها في «تاريخ الإسلام« المحفوظ بخطِّه، ثمَّ ضَرَبَ عليه، وذَكَرَ أنَّه مكرَّر إشارةً منه إلى أنَّه من وفيات سنة 650هـ على الصَّحيح كما تقدَّم [32]، ولذلك كَتَبَ تلميذه الحافظ شمس الدِّين محمَّد بن علي الحسيني (المتوفى 765هـ) حاشيةً في هذا الموضع من «العِبَر« من النُّسخة المحفوظة منه بخطِّه قال فيها: «تقدَّم في سنة خمسين، وهو الصَّواب« [33] .

وأمَّا ما ورد في كتابي «بلوغ الثُّريَّا في فرائد عن الإمام النَّووي أبي زكريَّا« (ص 39 حاشية (1)، وص 186) بشأن وفاته أنَّها سنة 668هـ، فهذا بلا ريب وهْم وسبق قلم، ويُرجى تصحيحه تكرُّمًا.

تنبيه (3) [34] :

قال الشَّيخ قطب الدِّين اليُونِيني (المتوفى 726هـ) [35] :

«وكان لمَّا قدم دمشق أوَّل قدومه إليها للاشتغال لم يكن له معرفة بالشَّيخ جمال الدِّين عبد الكافي، فاجتمع به، وعرَّفه مقصده، فأخذه وتوجَّه به إلى حلقة الشَّيخ تاج الدِّين عبد الرَّحمن الفَزَاري [36] ، فقرأ عليه دروسًا، وبقي يلازمه مدَّة، ولم يكن له موضع يأوي إليه، فسأل من الشَّيخ تاج الدِّين موضعًا يسكنه، ولم يكن بيد الشَّيخ تاج الدِّين إذ ذاك من المدارس سوى الصَّارميَّة، وليس لها بيوت؛ فدلَّه على الشَّيخ كمال الدِّين إسحاق بالرَّواحيَّة، فتوجَّه إليه، ولازمه، واشتغل عليه، وصار منه ما صار« ا.هـ.

أقولُ: في هذه الحكاية نظرٌ ظاهرٌ، وذلك من عدَّة وجوه:

أوَّلًا: أنَّ الشَّيخ اليُونِيْنِي تفرَّد بها، رغم أنَّ الدَّواعي تتوافر على نقلها، وقد تبعه في ذلك آخرون دون تمحيص.

ثانيًا: أنَّها تخالف النَّص الصَّريح للإمام النَّووي نفسه -كما تقدَّم- حين ذَكَرَ أنَّ أوَّل شيوخه الذين أخذ عنهم الفقه قراءةً وتصحيحًا وسماعًا وشرحًا وتعليقًا هو الإمام كمال الدِّين المغربي.

ثالثًا: أنَّ الإمام العلاء ابن العطَّار -وهو أخصُّ تلامذة الإمام النَّووي وأكثرهم ملازمةً له- أَثبَتَ كلام شيخه في «تحفة الطَّالبين« (ص 53-54) -وهو أوَّل كتاب أُفرد في ترجمته- دون أن يذكر غيره، بل نَقَلَ (ص 47-48) سماعًا من لفظِهِ ما يؤكِّد أنَّ مبدأ اشتغاله في العلم إنَّما كان على يد هذا الشَّيخ، حتَّى لازمه واقتفى آثاره، وكذلك فعل تلميذه الآخر الإمام المِزِّي (المتوفى 742هـ) في تبييضه لكتاب «تهذيب الأسماء واللُّغات« حيث لم يستدرك عليه شيئًا.

رابعًا: أنَّه من المستنكر جدًّا بل من المُحال أن يُعرض الإمام النَّووي عن ذِكرِ شيخٍ كان له عليه مثل هذه الوجوه من الإحسان والإكرام والأفضال في بداية طلبه؛ لا سيَّما أنَّه كان من أكثر النَّاس وفاءً لشيوخه، وتعدادًا لمآثرهم، وحرصًا على نسبة الفضل لأهله ودعوةً إليها.

***

فهذا ما تيسَّر لي من نماذج أدب الإمام النَّووي مع شيخه وأدب شيخه الإمام المَغْرِبي معه، وحريٌّ بنا أن نقتدي بمثل هؤلاء الأئمَّة الأعلام، ونتأدَّب بآدابهم الرَّضيَّة وخصالهم الزَّكيَّة، وفَّقنا الله تعالى لذلك.

والحمد لله رب العالمين.


لتحميل المقال



-------------------------------------

[1] «تهذيب الأسماء واللُّغات« (1/84-85).

[2] انظر المرجع السابق.

[3] انظر: «تحفة الطالبين« (ص47).

[4] انظر حاشية (13).

[5] انظر خامسًا.

[6] قاله الإسنوي في «المهمات« (1/322-323).

[7] انظر: «تحفة الطالبين« (ص 47).

[8] ذَكَرَهُ في تسع مواضع منه -وَصَفَهُ في جميعها بـ (شيخنا)، وترحَّم عليه وترضَّى-، كما في نُسخته الخطِّيَّة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث بإسطنبول رقم (1155) [115/أ]، [151/أ]، [177/أ]، [190/أ]، [218/أ] (مرَّتين)، [224/أ]، [224/ب]، [225/أ-ب]، ولم يذكر فيه أحدًا سواه إلَّا في موضع واحد فقط [4/أ-ب] حَكَى فيه فائدة أخبره بها شيخه عز الدِّين عمر بن أسعد الرَّبَعي الإِربلي (المتوفى 675هـ).

[9] وَرَدَ هذا في نسخة محفوظة من (فتاوى الإمام ابن الصَّلاح) في مكتبة تشستربيتي رقم (3326) [1/ب] بخطِّ نظام الدِّين محمَّد بن عبد العزيز بن محمَّد الحنفي التي فرغ منها: يوم الخميس 11 من شهر شوال سنة 790هـ، وقد قابلها على نسخة الإمام برهان الدِّين إبراهيم بن عبد الرحمن ابن الفِركاح الفَزَارِي الدِّمشقي (المتوفَّى 729هـ) التي قُوبلت على نسخة الإمام النَّووي بخطِّه، فقال مبيِّنًا ذلك [94/أ]:

(في آخر النُّسخة المنتسخة هذه منها بخطِّ الشَّيخ الإمام العالم برهان الدِّين أبي إسحاق إبراهيم بن الشَّيخ الإمام العالم تاج الدِّين عبد الرَّحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفَزَاري الدِّمشقي رحمه الله ما نصُّه:

«قابلتُ هذه النُّسخة على نُسخةٍ اشتُهر أنَّها بخطِّ الشَّيخ الإمام العلَّامة شيخ الإسلام محيي الدِّين النَّووي رحمه الله، وهي نسخةٌ معتمدةٌ مصحَّحةٌ، واجتهدتُ في مقابلة هذه النُّسخة وتصحيحها وإصلاحها بحسب الإمكان، وحضر المقابلة نسختان أخريان، والله المسؤول أن ينفع بها«.

كتبَهُ: نظام الدِّين محمَّد بن عبد العزيز بن محمَّد الحنفي، عفا الله عنه).


مكتبة تشستربيتي رقم (3326)  [1/ب] [94/أ]

مكتبة الفاتح رقم (2347) [1/ب]

[10] «تحفة الطالبين« (ص 97).

[11] انظر ثانيًا.

[12] انظر: «بلوغ الثُّريَّا« (ص 704).

[13] أشاد ببعض عبادات شيخه المذكور في «المجموع« (6/390) حيث ذكره مع جملة من أعلام السَّلف والخلف الذين صاموا الدَّهر باستثناء أيَّام النَّهي الخمسة: العيدان والتَّشريق.

[14] انظر: «تحفة الطالبين« (ص 48-49).

[15] انظر المرجع السابق.

[16] «المجموع« (1/33).

[17] «المجموع« (1/34) بتصرُّف يسير.

[18] «التِّبيان« (ص 60).

[19] قاله اللَّخْمي في «ترجمة الشيخ محيي الدين يحيى الحزامي النووي الدمشقي الشافعي« (ص 33).

[20] قاله د. أحمد الحداد في «الإمام النووي وأثره في علم الحديث وعلومه« (ص 33).

[21] انظر: «تحفة الطالبين« (ص 47).

[22] «تهذيب الأسماء واللُّغات« (1/84-85).

[23] انظر خامسًا.

[24]  


«تحفة الطَّالبين« بخطِّ داود ابن العطَّار قابلها على نسخة أخيه العلاء علي، مكتبة جامعة توبنجن، رقم (M. a. VI. 18) [3/أ-ب] [5/ب]

[25]

 

(المذيل على الروضتين)، مكتبة برلين، رقم (78) [159/أ]

[26]  

(تاريخ الإسلام)، مكتبة آيا صوفيا، رقم (3013) [100/ب]

[27]  


(تاريخ الإسلام)، مكتبة آيا صوفيا، رقم (3014) [42/أ، 43/أ-ب]

[28]  

(تاريخ الإسلام)، مكتبة آيا صوفيا، رقم (3013) [146/ب]

[29] انظر: «المذيل على الروضتين« (2/101)، و«تاريخ الإسلام« (14/635)، و«سير أعلام النبلاء« (23/248-249، 284)، و«العبر في خبر من غبر« (3/265).

[30] «العبر« (3/278-279).

[31] قاله الإسنوي في «طبقات الشافعية« (1/142).

[32] انظر الحاشية رقم (28).

[33]  

(العِبَر)، المكتبة الفرنسيَّة الوطنيَّة رقم (1585) [183/ب]

[34] هذا التنبيه المهم حثَّني عليه أخي فضيلة الشَّيخ المحقِّق المتقن د. محمَّد بن يوسف الجوراني في مباحثة علميَّة جرت بيننا، وتجده محرَّرًا في كتابه: «الجامع في سيرة الإمام النَّووي خلال ثمانية قرون«، كما أفادني بذلك.

[35] «ذيل مرآة الزَّمان« (3/285).

[36] يظهر أنَّ الإمام النَّووي اجتمع بالإمام تاج الدِّين عبد الرَّحمن بن إبراهيم بن سباع ابن الفِرْكاح الفَزَارِي (المتوفى 690هـ) غير مرَّة في مجالس السَّماع الحديثيَّة، منها: «فضائل شهر رمضان وما فيه الأحكام والعلم وفضل صُوَّامه والتَّغليظ على من أفطر فيه متعمِّدًا من غير عذر« لابن شاهين وذلك في مجلس واحد في 5 من شهر رمضان سنة 662هـ بجامع دمشق، و«الجزء الثَّاني من أمالي الإمام أبي الحُسين محمَّد بن أحمد بن إسماعيل بن عَنْبَس ابن سمعون الواعظ« وذلك في مجلسَين، آخرهما: يوم الثُّلاثاء 20 من شهر الله المحرَّم سنة 666هـ بجامع دمشق، والجدير بالملاحظة أنَّ اسم الإمام النَّووي ذُكر في السَّامعين بعده مباشرة، انظر: «بلوغ الثُّريَّا« (ص596-597).

 

الثلاثاء، 20 أغسطس 2024

الإِلمام بشأن أَقدم نُسخَتَين خطِّيَّتَين للحِزب المنسوب إلى النَّوويِّ الإِمام

الإِلمام بشأن أَقدم نُسخَتَين خطِّيَّتَين للحِزب المنسوب إلى النَّوويِّ الإِمام

بقلم: عبد الله بن محمَّد سعيد الحُسيني

الحمد لله، وسلاٌم على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فقد كنتُ أفردتُ بحثًا مستقلًّا عن الحِزب المنسوب إلى الإمام الزَّاهد الورع محيي الدِّين أبي زكريَّا يحيى بن شَرَف بن مِرَى النَّووي (المتوفَّى 676 هـ) -رحمه الله تعالى- سمَّيتُه: (الإرشاد إلى مدى صحة ما ينسب للإمام النَّووي من الأحزاب والأوراد) (1)، بيَّنتُ فيه باستفاضة أنَّ في النَّفس شيئًا من صحَّة نسبته إليه.

ومن تلك القرائن التي أوردتُها فيه بشكل مُجمل: أنَّ أقدم نُسخِهِ الخطِّيَّة التي وقفتُ عليها ترجع إلى أواخر القرن الثَّامن الهجري، أي: بعد وفاته بقرنٍ من الزَّمان.

وهذا أَوان الحديث عن هذه القرينة بشكل مُفصَّل من خلال أَقدم نُسختَين خطِّيَّتَين له، وذلك من جانبَين: وصفهما، وبيان الفروق التي بينهما.

أوَّلًا: وصف النُّسختَين الخطِّيَّتَين للحزب:

النُّسخة الأُولى (2):

محفوظةٌ في مكتبة الأسد الوطنيَّة بدمشق ضمن مجموع رقم (13534) في ورقة واحدة [155]، وكان قبلها في المدرسة الأحمديَّة بحلب رقم (308)، وهو جلُّه بخطِّ الشَّيخ العالم المحدِّث نجيب الدِّين أبي المعالي عبد الخالق بن محمود بن عبد الخالق السُّمِيْرَمي (3) الشَّافعي (كان حيًّا سنة 821 هـ)، ويشتمل على أجزاء كثيرة، حدَّد قيد فراغ عدد كبير منها -أَقدمها سنة 789 هـ، وأَحدثها سنة 807 هـ-، كما أَغفَلَ ذلك في أجزاء أُخرى، ومنها: (الحزب).

وقد وَصَفَ المفهرِسون لهذه النُّسخة من (الحزب) بموقع المكتبة أنَّه كَتَبَها سنة 789 هـ! وتَبِعهم في ذلك بعض الفضلاء! ولعلَّهم اعتَمَدُوا في ذلك على قرينة أوَّل جزءٍ أَتَى بعده بقليلٍ تضمَّن تاريخ كتابته له وهو (رسالة في شرح حديث أبي عُمَير) الذي فرغ منه: في غرَّة شهر ذي الحجَّة سنة 789 هـ.

أقولُ:

إنَّ الاعتماد على قرينة قيود الفراغ الواردة قبل (الحزب) وبعده لا يستقيم التَّسليم بها إطلاقًا في هذا المجموع؛ لأنَّ أجزاءه ليست مرتَّبةً ترتيبًا زمنيًّا متتاليًا حسب تاريخ نَسخها (4)، فمثلًا أقرب قيد فراغ قبل (الحزب) يسبقه بستِّ ورقات ووجه، وهو لكتاب (القيام لأهل التَّكريم والاحترام) للإمام النَّووي، فرغ منه: يوم الجمعة 14 ربيع الأول سنة 807 هـ (5)، وأقرب قيد فراغ بعده بثمان ورقات ووجه، وهو لـ (رسالة في شرح حديث أبي عُمَير)، فرغ منها: في غرَّة شهر ذي الحجَّة سنة 789 هـ (6)، علمًا بأنَّ بين كتاب (القيام) و(الحزب) جزأَين، وبين (الحزب) و(شرح حديث أبي عُمير) ثمانية أجزاء، وفي جميعها لم يُحدِّد الشَّيخُ السُّمِيْرَمي تاريخ نَسخِهِ لها، بل إنَّ الشَّيخَ محمَّد راغب الطَّبَّاخ (المتوفَّى 1370 هـ) نبَّه بخطِّه في موضعٍ من المجموع إلى وجود خللٍ في ترتيب ورقة لكتاب واحد [289/ب] [291/ب]، وذَكَرَ أنَّ الموضع الصَّحيح للورقة [292] هو بعد [289] (7).

والأقربُ عندي أنَّه نَسَخَ (الحزب) في الفترة ما بين سنة 802 هـ إلى 807 هـ تقريبًا، كما سيأتي.

فإن قيل: يكفي هذه النُّسخة من (الحزب) أهميةً وتميُّزًا أنَّ الشَّيخ العالِم عبد الخالق بن محمود السُّمِيْرَمي كَتَبَها بخطِّه ونَسَبَهَا إلى الإمام النَّووي.

فالجواب عنه من وجهَين:

أوَّلًا: أنَّ رأي الشَّيخ عبد الخالق السُّمِيْرَمي هو عدم الجزم بنسبتِهِ إلى الإمام النَّووي، وهو ما صرَّح به مباشرة بعد فراغه من نَسخِهِ، فقال [155/ب] (8): (وهذا الحزبُ المتقدِّم منسوبٌ إلى الشَّيخ الإمام العالم محيي السُّنَّة والدِّين يحيى بن شرف بن مِرَى النَّواوي، قدَّس الله سرَّه) ا.هـ، وهذه عبارة علميَّة دقيقة لها دلالتها النَّقديَّة، وهي ذاتها التي قالها الحافظ السَّخاوي (المتوفَّى 902 هـ) عن هذا (الحزب) في ثلاثة من كُتبه المتأخِّرة (9)، ويظهر أنَّ الشَّيخ السُّمِيْرَمي قد اعتمَدَ في ذلك على ما نَسَخَهُ ضُحى السَّبت 16 من شهر ذي الحجَّة سنة 802 هـ من كتاب (عُمدة المحتاج إلى كتاب المنهاج) لشيخه الإمام ابن الملقِّن (المتوفَّى 804 هـ) حينما تَرجَمَ ترجمةً حافلةً للإمام النَّووي وتتبَّعَ مصنَّفاته وميَّزَ ما هو صحيح النِّسبة إليه من غيره، ولم يذكر هذا (الحزب) من بينهما (10)، وكان نَسخُهُ للحزب ما بين هذا التَّاريخ وسَنَة 807 هـ التي هي آخر سَنَة أَثبَتها الشَّيخ السُّمِيْرَمي في نسْخِهِ لأحد أجزاء المجموع، ولعلَّ هذا ممَّا يفسِّر لنا تركَهُ روايته وعدم عنايته بذلك، واقتصاره على ذِكر من سمَّاه من المهتمِّين به، وإغفاله لتاريخ نَسخِهِ له، بخلاف صنيعه مع كتاب (القيام) له الذي ساق فيه إسناده المتَّصل إليه في صفحة العنوان، وأَبرزَ فيه علامات التَّصحيح والتَّصويب والمقابلة والتعليقات، وأَثبتَ قيد فراغه منه زمانًا ومكانًا (11)، بل قارِن -حتَّى تُدرك الفرق- بين عبارته هنا مع عبارته عن (حزب الشَّاذلي) وصريح نسبته إليه، حين قال [161/ب] (12): (تمَّ حزب البحر للشَّاذلي، من تأليف: السَّيِّد الإمام قطب الأقطاب في الأنام الشَّيخ أبي الحسن الحسني الشَّاذلي المغربي رضي الله عنه) ا.هـ.

ثانيًا: أنَّ مجرَّد نَسْخ الشَّيخ عبد الخالق السُّمِيْرَمي للحزب لا يعني أنَّه صحيح النِّسبة إلى الإمام النَّووي، فهو نفسه قد نَسَخَ فيه كتاب (السَّفر) المشهور برحلة الإمام الشَّافعي من الورقة [311] إلى [314]، وهذا الكتاب باطلٌ مختلقٌ عند الأئمَّة النُّقاد، ونبَّه الشَّيخ عبد الفتَّاح أبو غدَّة (المتوفَّى 1417 هـ) إلى ذلك بخطِّه (13)، كيف وقد صرَّح أنَّه منسوبٌ إليه.

النُّسخة الثَّانية (14):

محفوظةٌ في مكتبة الإسكوريال بأسبانيا ضمن مجموع رقم (1887) من الوجه [96/ب] إلى [97/ب].

وقد وَصَفَ المفهرِس لهذا المجموع أنَّه منسوخ سنة 771 هـ بناء على قراءته لقيد فراغ النَّاسخ: محمَّد بن رمضان الطُّنْبُذي من أحد الأجزاء الموجودة فيه [56/أ] (15).

أقولُ:

وهذه قراءة غير صحيحة إطلاقًا لسَنَة قيد الفراغ من أحد أجزاء المجموع؛ لأنَّ النَّاسخ نَقَلَ بعد هذا الموضع بخمس ورقات [64/ب] (16) جزءًا كاملًا وصرَّح أنَّه عن خطِّ سبط الشَّيخ عبد الرَّحمن بن أحمد بن محمَّد البكري الدَّهْروطي الشَّافعي، فقال: (فهذه ترجمة مختصرة يشتمل على كيفيَّة استعمال ما سنذكره على حسب ما وجدناه بخطِّ الولد الصَّالح سبط الشَّيخ عبد الرَّحمن البكري الشَّافعي الدَّهْروطي نقلًا عن خطِّ المشار إليه ..) ا.هـ، وهذا الشَّيخ المذكور لم يُولد أصلًا إلَّا سنة 809 هـ وتوفِّي سنة 883 هـ!

والصَّواب أنَّ النَّاسخ -الذي لم أقف له على ترجمة- فَرَغَ من نَسخِ أحد أجزاء المجموع في: ليلة يسفر صباحها يوم الاثنين لسبع مضين بعد عشر من شهر جمادى الأولى سنة 861 هـ أو 871 هـ.

وبهذا يظهر أنَّ هاتَين النُّسختَين الخطِّيَّتَين ترجعان إلى القرن التَّاسع الهجري على الصَّحيح، كما أنَّهما خاليتان من أيِّ إسناد متَّصل إلى الإمام النَّووي.

ثانيًا: الفروق بين النُّسختَين الخطِّيَّتَين للحزب:

نسخة السُّمِيْرَمي (مكتبة الأسد)

نسخة الطُّنْبُذي (مكتبة الإسكوريال)

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. (3 مرات)

الله أكبر، الله أكبر.

بسم الله على ديني، وعلى نفسي، وعلى أولادي.

بسم الله على مالي، وعلى أهلي، وعلى أصحابي.

بسم الله على كل شيء أعطانيه ربي.

بسم الله رب السماوات السبع ورب الأرضين.

بسم الله على كل ديني.

بسم الله على أهلي.

بسم الله على أولادي.

بسم الله على مالي.

بسم الله على أصحابي.

بسم الله على كل شيء أعطانيه ربي.

بسم الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع.

بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

(مرة واحدة)

بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.

بسم الله خير الأسماء في الأرض والسماء.

بسم الله خير الأسماء.

بسم الله في الأرض وفي السماء.

الله الله الله الله ربي لا أشرك به شيئًا.

(لفظ الجلالة 4 مرات)

الله الله ربي لا أشرك به شيئًا.

الله الله الله لا إله إلا الله.

(لفظ الجلالة 3 مرات)

الله الله لا إله إلا الله.

الله أعز وأجل وأكبر مما أخاف وأحذر.

(مرة واحدة)

الله أعز وأجل وأكبر مما أخاف وأحذر.

الله أعز وأجل وأكبر مما أخاف وأحذر.

الله أعز وأجل وأكبر مما أخاف وأحذر.

عن يميني وأيمانهم

وعن يميني وعن أيمانهم

عن شمالي وشمائلهم

وعن شمالي وعن شمائلهم

أمامي وأمامهم

ومن أمامي ومن أمامهم

بما أحاط بي وبهم

وبما أحاط بي وبهم

بما أحطنا به

وبما أحطنا به

بخيرك من خيرك

من خيرك بخيرك

اللهم اجعلني وإياهم في عبادك وعياذك وجوارك وحرمك وحرزك وكنفك وأمنك من شر كل شيطان وسلطان وإنس وجان وحاسد وباغ وسبع وعقرب وحية ومن كل دابة ربي آخذ بناصيتها.

اللهم اجعلني وإياهم في عياذك وعبادك وفي جوارك وأمنك وحرمك وحرزك وكنفك من شر كل شيطان ومارد وسلطان وإنس وجان وكل ذي جاه وغير جاه وحاسد وباغ وسبع وعقرب وحية ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها.

ثمَّ يتفل ثلاثًا عن يمينه، وثلاثًا عن شماله، وثلاثًا من خلفه، وثلاثًا من قُدَّامه.

تمَّ عزو هذه الصِّفة في آخر الحزب إلى الإمام النَّووي.

وكان رحمه الله عند فراغه من قراءته يتفل عن يمينه وعن يساره من غير ريق ثلاثًا ثلاثًا، ومن أمامه وخلفه ثلاثًا ثلاثًا.

تمَّ عزو هذه الصِّفة قبل البدء بالحزب إلى الإمام كمال الدِّين محمَّد بن عبد الواحد ابن الهمَّام (المتوفَّى 861 هـ).

من واظب على قراءته بكرة وعشيًّا لم يتعرَّض عليه أحدًا من أهل الظَّاهر ولا من أهل الباطن.

تمَّ عزو هذه المقولة بعد الحزب إلى الشَّيخ جمال الدِّين يوسف بن عبد الله الكوراني العجمي (المتوفَّى 768 هـ). (17)

من لازم قراءته صباحًا ومساءً أَمِنَ من أهل الظَّاهر والباطن.

تمَّ عزو هذه المقولة قبل البدء بالحزب إلى الإمام كمال الدِّين محمَّد بن عبد الواحد ابن الهمَّام (المتوفَّى 861 هـ).

إنَّ المفترض في اختلافات النُّسخ الخطِّيَّة لأيِّ جزءٍ لطيفٍ صغيرٍ أن تكون يسيرة يكاد يعدُّها العادُّ؛ لأنَّها مظنَّة ثبات نصوصها وضبطها وسلامتها من أن تعتريها تغييرات كُبرى مؤثِّرة لا سيَّما إذا كانت متقدِّمة زمنيًّا.

وهذه الفروق التي أمامنا -بالزِّيادة، والنَّقص، والتَّقديم، والتَّأخير، والعَزو- بَين أَقدم نُسختَين خطِّيَّتَين مكتوبتَين في فترة زمنيَّة متقاربة، وفي جزءٍ بهذا القدر الزَّهيد تُعتبر كثيرة ومؤثِّرة ومُرِيبة في ميزان التَّحقيق العلمي، فكيف لو عَرَضنا فروق غيرهما؟!

وهذا الأمر ممَّا يقوِّي عدم اطمئنان النَّفس بثبوته عن الإمام النَّووي.

والله تعالى أعلم.

وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله، وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

----------------------------------------

(1) نُشر رقميًّا ثمَّ ورقيًّا في كتاب (بلوغ الثُّريا في فرائد عن الإمام النَّووي أبي زكريَّا) (ص 502-520).

(2) زوَّدني بهذه النُّسخة الخطِّيَّة مشكورًا مأجورًا أخي الشَّيخ الفاضل المحسن الكريم عادل بن عبد الرَّحيم العوضي.



(3) هكذا ضَبَطَهُ بخطِّه شيخُه الإمام شمس الدِّين ابن الجَزَرِي (المتوفى 833 هـ) في إجازته له في آخر المجموع - كما في الوثيقة التي أمامك-: بضمِّ السِّين المهملة وكسر الميم، بينما ضبط السَّمعانيُّ في (الأنساب) (7/245) الميم بالفتح، وقد أفادني مشكورًا مأجورًا فضيلة الشَّيخ المحقِّق المتقن محمَّد زياد التُّكْلة بترجمته التَّجميعيَّة له في كتابه (إجازات نادرة - المجموعة الثَّالثة) (ص 725-741)، وحاشيته على كتابه (المسهم في انتخاب الأسانيد إلى صحيح مسلم).

(4) هذا هو ترتيب الأجزاء المؤرَّخة في المجموع مع تاريخ فراغه من نسخها: (الشَّمائل للتِّرمذي) فرغ منه [27/أ]: عند أذان ظهر يوم الثُّلاثاء 8 من شهر شوَّال سنة 802 هـ، و(المولد الكبير لجمال الدِّين يوسف بن محمَّد العقيلي الحنبلي) فرغ منه [43/أ]: غرَّة شهر ربيع الأوَّل سنة 804 هـ، و(رسالة في السِّيرة لعبد الغني بن عبد الواحد ابن قدامة المقدسي) فرغ منها في [51/أ]: شهر ربيع الأوَّل سنة 804 هـ، و(ثلاثيَّات البخاري) فرغ منها [56/أ]: يوم الأربعاء 15 من شهر صفر سنة 789 هـ، و(ثلاثيَّات المسند) فرغ منها في [71/أ]: 4 من شهر شعبان سنة 803 هـ، و(المسلسلات بالمحمَّدِين لسعيد الدِّين محمَّد الكازروني) فرغ منه [97/ب]: ظهر يوم السَّبت 26 ربيع الآخر سنة 802 هـ، و(المسلسلات لسعيد الدِّين محمَّد الكازروني) فرغ منه [137/أ]: يوم الثُّلاثاء 7 من شهر ذي الحجَّة سنة 800 هـ، و(القيام لأهل التَّكريم والاحترام للنَّووي) فرغ منه [148/أ]: يوم الجمعة 14 من شهر ربيع الأوَّل سنة 807 هـ، و(رسالة في شرح حديث أبي عُمَير) فرغ منها [166/ب]: غرَّة شهر ذي الحجَّة سنة 789 هـ، و(علوم الحديث لابن الصَّلاح) فرغ منه [232/ب]: ضحى يوم السَّبت 3 من شهر ذي القعدة 802 هـ، و(الخلاصة في علم الحديث للطّيبي) فرغ منه [286/ب]: يوم الاثنين 11 من شهر ربيع الأوَّل سنة 789 هـ، وكتب حواشيه: ظهر يوم الخميس منتصف شهر رمضان سنة 798 هـ، و(المدخل للحاكم) فرغ منه [295/ب]: ضحى يوم الجمعة 8 من شهر ذي الحجَّة سنة 802 هـ، و(منظومة) فرغ منها [303/أ]: عصر الجمعة من شهر جمادى الآخرة 801 هـ، و(نقعة الصّديان للصّغاني) فرغ منه [307/أ]: 9 من جمادى الآخرة سنة 801 هـ، و(رسالة في عدد رواية كلّ واحد من الصَّحابة عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لبقي بن مخلد القرطبي) فرغ منها [310/ب]: ضحى يوم السَّبت من شهر جمادى الأولى سنة 802 هـ، و(كتاب السَّفر المشهور برحلة الإمام الشَّافعي) فرغ منه [314/ب]: غرَّة شهر ربيع الأوَّل سنة 804 هـ، و(ترجمة الشَّافعي والنَّووي من كتاب عمدة المحتاج إلى كتاب المنهاج لابن الملقِّن) فرغ منه [316/ب]: ضحى يوم السَّبت 16 من شهر ذي الحجَّة سنة 802 هـ، و(رسالة في الأحاديث الواردة في رفع اليدين عند الرُّكوع والرَّفع منه للتَّقي السُّبكي) فرغ منها في [318/ب]: 12 من شهر جمادى الآخرة سنة 803 هـ، و(رسائل العزّ ابن عبد السَّلام وابن الصَّلاح عن صلاة الرَّغائب) فرغ منها في [322/ب]: 3 من شهر ربيع الآخر سنة 805 هـ، و(مشيخة عفيف الدِّين محمَّد الكازروني) فرغ منه في [381/أ]: 4 من شهر صفر سنة 802 هـ.

(5) قيد فراغ الشَّيخ السُّمِيْرَمي من نسخ كتاب (القيام) للإمام النَّووي:

[148/أ]

(6) قيد فراغ الشَّيخ السُّمِيْرَمي من نسخ (رسالة في شرح حديث أبي عُمير):

[166/ب]

(7) تنبيه بخطِّ الشَّيخ الطَّبَّاخ:



 

(8) كلام الشَّيخ السُّمِيْرَمي بخطِّه:

(9) انظر: (إرشاد الغاوي) (ص 226، 878) و(الضَّوء اللَّامع) (1/86)، و(وجيز الكلام) (3/1294-1295).

(10) نَسْخُ الشَّيخ السُّمِيْرَمي للتَّرجمة الحافلة للإمام النَّووي من كتاب (عمدة المحتاج إلى كتاب المنهاج) لشيخه الإمام ابن الملقِّن:



(11) نَسْخُ الشَّيخ السُّمِيْرَمي لكتاب (القيام) للإمام النووي:




[138/أ]، [144/أ]، [147/ب]، [148/أ]

(12) نَسْخُ الشَّيخ السُّمِيْرَمي لـ (حزب الشَّاذلي):

(13) تنبيه بخطِّ الشَّيخ عبد الفتَّاح أبو غدَّة [311/أ]:

(14) نسخة مكتبة الإسكوريال:


(15) قيد فراغ بخطِّ النَّاسخ الطُّنبُذي:

(16) النَّاسخ الطُّنبُذي ينقل عن خطِّ سبط الشَّيخ الدَّهروطي:

(17) بل وقفتُ على نسخة خطِّيَّة للحزب ترجع إلى منتصف القرن العاشر الهجري تقريبًا نُسبت فيها هذه المقولة إلى الإمام النَّووي! وحاشاه أن يقول شيئًا يُوحي بمضاهاة المأثور والتَّزهيد فيه وادِّعاء أمر غيبيٍّ لا يُعلم إلَّا بالوحي.


الجمعة، 22 ديسمبر 2023

صدر حديثًا: كتاب (بلوغ الثُّريَّا في فرائد عن الإمام النَّووي أبي زكريَّا)

صدر حديثًا: كتاب (بلوغ الثُّريَّا في فرائد عن الإمام النَّووي أبي زكريَّا) ضمن إصدارات مكتبة فضيلة شيخنا العلَّامة د. نظام محمَّد صالح يعقوبي العبَّاسي حفظه الله وجزاه عنَّا خير الجزاء، وقد تشرَّفتُ أيَّما تشريف بتقديم فضيلته للكتاب.

وفيه نفائس الوثائق، وأعلاها المحفوظة بخطِّه الشَّريف.

وحاز الكتاب بعناية فائقة ومتابعة دقيقة واهتمام كبير من الأخوة الأفاضل في دار البشائر الإسلامية -وهذا هو المعهود منهم-، جزاهم الله خير الجزاء.

أسأل الله تعالى أن يجعله نافعًا متقبَّلًا

تحميل فهرس الكتاب:

فهرس كتاب (بلوغ الثريا في فرائد عن الإمام النووي أبي زكريا)