السبت، 20 ديسمبر 2025

لطائف الهدايا ممَّا وَرد عن الإمام النَّووي في المدرسة الرَّواحيَّة من الفوائد والحَكايا

لطائف الهدايا

ممَّا وَرد عن الإمام النَّووي في المدرسة الرَّواحيَّة من الفوائد والحَكايا

بقلم: عبد الله بن محمَّد سعيد الحسيني

الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فإنَّ المدرسة الرَّواحيَّة (1) الدِّمشقيَّة تعدُّ من المدارس العلميَّة البارزة ذات الصِّلة الوثيقة بالإمام محيي الدِّين أبي زكريَّا يحيى بن شرف بن مِرَى النَّووي الدِّمشقي (المتوفى 676هـ) رحمه الله تعالى؛ نشأةً وتكوينًا، وتعلُّمًا وتعليمًا، وأثرًا وتأثيرًا.

وقد ارتأيتُ أن أسوق من ذلك ما تيسَّر لي الوقوف عليه من باب الإشارة والذِّكر لا التَّقصِّي والحصر، مقتصرًا على ما فيه التَّصريح بذلك، مُلمِّحًا إلى أهميَّة أن نعتني بانتقاء المحاضن التَّربويَّة المناسبة لأبنائنا وفلذات أكبادنا.

أوَّلًا: مسكنه في المدرسة:

أوَّل ما قدم مع والده إلى مدينة دمشق سنة 649هـ لطلب العلم سكن في المدرسة الرَّواحيَّة (2)، وأقام فيها مدَّة بلغت 27 عامًا حتَّى مات، فلم ينتقل عنها لا قبل تولِّيه دار الحديث الأشرفيَّة سنة 665هـ ولا بعده (3).

وكان في بادئ الأمر مُقِيمًا في إيوان المدرسة (4)، ثمَّ انتقل منه إلى بيتٍ لطيفٍ عجيب الحال (5) في طابقها العلوي، وفيه نافذة مُطلَّةٌ على فضاء المدرسة، كان يجلِسُ عندها مُستقبِلَ القبلة (6)، وإنَّما اختار الإقامة بها على غيرها؛ لحِلِّها، إذ هي من بناء بعض التُّجَّار (7).

ثانيًا: من منسوخاته وتصنيفاته في المدرسة:

اعتَنى بنسخ كتب أهل العلم في المدرسة، فممَّا صرَّح بنسخه فيها: (مقدِّمة الإمام ابن الصَّلاح في علوم الحديث)، فرغ منها: يوم الثُّلاثاء 3 من شهر صفر سنة 655هـ (8).

كما اعتَنى بالتَّصنيف فيها، فممَّا صرَّح به: كتابه: (إرشاد طلَّاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق)، فرغ منه: ظهر يوم السَّبت 11 من شهر رمضان سنة 663هـ (9).

ثالثًا: من شيوخه الذين تلقَّى عنهم وسمع منهم في المدرسة:

1-الشَّيخ إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي المقدسي الدمشقي (المتوفى 650هـ) الذي كان مقيمًا ومدرِّسًا فيها، وهو أوَّل شيوخ الإمام النَّووي في الفقه، وقد لازمه ملازمة تامَّة، واشتغل عليه، وكان أكثر انتفاعه عليه (10)، فأُعجبَ الشَّيخُ به، وأحبَّه محبَّةً شديدةً، وأَسندَ إليه مهمَّة إعادة الدُّروس في حلقته لأكثر الطَّلبة، وكان ذلك في أوَّل طلبه للعلم سنة 650هـ (11).

2-الشَّيخ عبد الرَّحمن بن نوح بن محمَّد المقدسي الدِّمشقي (المتوفى 654ه) الذي تولَّى التَّدريس فيها بعد شيخه ابن الصَّلاح، وهو ثاني شيوخ الإمام النَّووي في الفقه (12).

3-الشَّيخ عمر بن أسعد بن أبي غالب الرَّبَعي الإربلي (المتوفى 675هـ): قرأ عليه فيها: (مقدِّمة الإمام ابن الصَّلاح في علوم الحديث)، في مجالس آخرها في شهر شعبان سنة 655هـ، وسمع منه مقالة فيها في: 2 من شهر شعبان سنة 659هـ (8)، وهو ثالث شيوخ الإمام النَّووي في الفقه (13).

4-الشَّيخ شرف الدِّين أبو إسماعيل محمَّد بن إبراهيم، سمع منه نسبه فيها، وذلك: يوم الجمعة 14 من شهر رمضان سنة 659هـ (14).

رابعًا: من تلامذته الذين أَسمعهم في المدرسة:

        كان الإمام النَّووي يُدرِّس فيها طلبته، قال الشَّيخ أبو محمَّد إسماعيل البُسطي (المتوفى 676هـ) في رثائه له (15):

رَواحيَّةٌ كانت مَحلَّ دُروسهِ *** فراحَ إلى رُوح النَّعيم بما قرا

فممَّن سمع عليه فيها:

        1-الشَّيخ محمَّد بن حسن بن الحسين الفارسي: قرأ عليه (الأربعين حديثًا للهاشمي)، وذلك في مجالس آخرها: يوم الثُّلاثاء 10 من شهر ربيع الآخر سنة 669هـ (16).

        2-الشَّيخ علي بن إبراهيم ابن العطَّار الدِّمشقي (المتوفى 724هـ): قرأ عليه تصنيفه (الأربعين في مباني الإسلام وقواعد الأحكام)، وذلك في مجلس واحد: يوم الثُّلاثاء 12 من شهر رمضان سنة 673هـ (17).

        3-سلطان بن سنان بن أبي العلاء التَّنوخي الدِّمشقي (المتوفى 684هـ): إمام المدرسة الرَّواحيَّة ومعيدها، قرأ عليه تصنيفه (الأذكار)، وله مرثيَّة فيه (18).

خامسًا: من حكاياته (19) وإنشاداته في المدرسة:

1-قُوْته ونومه فيها:

كان قُوْتُه فيها جِراية المدرسة لا غير (20)، وكان يأكل بعضها، ويتصدَّق بالباقي مدَّة لطيفة، ثمَّ ترك ذلك، وكان أبوه وأمُّه يرسلان إليه بعض القوت، فيأكله (21).

وكان أوَّل ما سكنها بقي نحو سنتين لم يضع جنبه إلى الأرض (22)، ولما سُئل عن نومه قال: (إذا غلبني النَّوم استندتُ إلى الكُتب لحظةً وأَنتبه) (23)، وهذا من شدَّة تفانيه في تحصيل العلم وبذله.

2-شيخ غريب رآه فيها:

قال الإمام النَّووي (24):

(كنتُ مريضًا بالمدرسة الرَّواحيَّة، فبينا أنا في بعض اللَّيالي في الصُّفَّة الشَّرقيَّة منها، ووالدي وإخوتي وجماعة من أقاربي نائمون إلى جانبي؛ إذ نشَّطني الله، وعافاني من ألمي، فاشتاقت نفسي إلى الذِّكر، فجعلتُ أسبِّح، فبينا أنا كذلك بين الجهر والإسرار؛ إذا شيخٌ حسنُ الصورةِ، جميلُ المنظرِ، يتوضَّأ على حافَّةِ البِرْكَة وقتَ نصفِ اللَّيلِ، أو قريب منه، فلمَّا فرغ مِن وضوئه؛ أتاني، وقال لييا ولدي، لا تذكر الله تعالى وتهوِّش على والدك وإخوتك وأهلك ومَن في هذه المدرسة، فقلتُيا شيخ، مَن أنت؟ قال: أنا ناصحٌ لك، ودَعْني أكونُ مَن كنتُ، فوقع في نفسي أنَّه إبليس، فقلتُأعوذُ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، ورفعتُ صوتي بالتَّسبيح، فأعرضَ، ومشى إلى ناحية باب المدرسة، فانتبه والدِي والجماعة على صوتي، فقمتُ إلى باب المدرسة، فوجدتُهُ مقفلًا، وفتَّشتُها، فلم أجد فيها أحدًا غير مَن كان فيها، فقال لي والدي: يا يحيى، ما خبرك؟ فأخبرتُهُ الخبر، فجعلوا يتعجَّبون، وقعَدنا كُلُّنا نُسبِّحُ ونذكُر)ا.هـ.

3-ملازمته للكتب وكثرتها في بيته:

كان إذا زاره أحدٌ وَضَعَ بعض الكُتب على بعض حتَّى يوسِّع له مكانًا يجلس فيه (25).

4-من إنشاداته بها (26): [الكامل]

خَرِس اللِّسانُ وكَلَّ عن أوصافكم *** ماذا أقولُ وأنتمُ ما أنتمُ

الذَّنبُ والتَّقصيرُ منِّي دائمًا *** والعفوُ والإحسانُ يُعرَفُ منكمُ

وفي الختام، فإنَّ معالم المدارس العلميَّة و(بيوتها اللَّطيفة) المتواضعة التي عاش فيها الإمام النَّووي وغيره من أهل العلم ستندثر يومًا ما، غير أنَّ آثار إعمارهم لها بالإخلاص والعلم والعمل باقية وستبقى حيَّة ماثلة أمامنا، ونبراسًا لنا، وتذكرةً تعين على اختيار الصُّحبة الصَّادقة وتلمُّس البيئة الصَّالحة.

هذا والله أعلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

----------------

(1) مدرسة شافعيَّة تقع شمال شرق الجامع الأموي بمدينة دمشق في العمارة الجوانيَّة، أنشأها التَّاجر زكي الدِّين أبو القاسم هبة الله بن محمَّد بن عبد الواحد ابن رَواحة الأنصاري الحموي (المتوفى 622هـ) سنة 620هـ، وأوَّل من تولَّاها الإمام تقي الدِّين ابن الصَّلاح (المتوفى 643هـ)، ولم يتبق من أثرها اليوم إلَّا واجهتها، وهي الآن مدرسة شرعيَّة للبنات، انظر: (الدارس في تاريخ المدارس) (1/199-207)، و(معجم دمشق التاريخي) (2/184).

صورة تحتوي على بناء, في الخارج, نافذة أو شباك, دراجة

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

واجهة المدرسة الرَّواحيَّة بمدينة دمشق

(2) قاله الإمام النَّووي كما (تحفة الطالبين) (ص 45)، وذُكر أنَّ ذلك كان بسعي من التَّاج الفزاري (المتوفى 690هـ)، انظر: (ذيل مرآة الزمان) (3/285).

(3) قاله التاج السبكي في (الطبقات الوسطى) (ص 45)، انظر: (المنهل العذب الروي) (ص 54).

(4) انظر: (بلوغ الثُّريَّا في فرائد عن الإمام النَّووي أبي زكريَّا) (ص 313)، والإيوان: غرفة بثلاثة جدران والرابع مفتوح على صحن المدرسة، ويستخدم كقاعة للمحاضرات وتدريس الطلبة.

(5) قاله التاج السبكي في (الطبقات الوسطى) (ص 45)، انظر: (المنهل العذب الروي) (ص 54).

(6) انظر: (تحفة الطالبين) (ص 97).

(7) قاله اليافعي في (مرآة الجنان) (4/138).

(8) أفادني بذلك مشكورًا مأجورًا فضيلة الشيخ رعد بن منير الحريري.

(9) انظر: (بلوغ الثُّريَّا) (ص 356).

(10) انظر: (تحفة الطالبين) (ص 47-49، 53-54)، و(تهذيب الأسماء واللُّغات) (1/84-85)، و(ذيل مرآة الزمان) (3/285)، و(المهمات) (1/322-323).

(11) قاله الإمام النَّووي كما في (تحفة الطالبين) (ص 47).

(12) انظر: (تحفة الطالبين) (ص 54)، و(تهذيب الأسماء واللُّغات) (1/85)، و(البداية والنهاية) (17/346).

(13) انظر: (بستان العارفين) (ص 215)، و(تحفة الطالبين) (ص 54)، و(تهذيب الأسماء واللُّغات) (1/85).

(14) قال ذلك الإمام النَّووي في (بستان العارفين) (ص 214).

(15) انظر: (تحفة الطالبين) (ص 133).

(16) انظر: (بلوغ الثُّريَّا) (ص 677-684).

(17) انظر: (بلوغ الثُّريَّا) (ص 659-663).

(18) انظر: (بلوغ الثُّريَّا) (ص 633-638).

(19) في هذا الباب حكاياتٌ متأخِّرةٌ منقطعةٌ غريبةٌ، منها: ما حكاه اللَّخمي (680هـ-738هـ) في (ترجمة الإمام النَّووي) (ص 70)، فقال: (ومن قوَّة نفسه: ملازمته لحيَّة عظيمة في بيته بالرَّواحيَّة، ويراها كل قليل وتخرج إليه، ويضع لها لبابًا تأكله، حتَّى رآه بعضهم في غفلة يطعمها اللُّباب، فقال له: يا سيِّدي، ما هذه؟ وخاف، فقال: هذه خلق من خلق الله، لا تضرُّ ولا تنفع، أسألك بالله أن تكتم ما رأيتَ، ولا تحدِّث به أحدًا)، وأغربُ منها ما ذكره السُّيوطي في (المنهاج السَّوي) (ص 57) أنَّه رأى في مجموع بخطِّ الشَّيخ شمس الدِّين العيزري الشَّافعي (724هـ-808هـ) (أنَّ بواب الرَّواحيَّة حَكَى قال: خرج الشَّيخ في اللَّيل، فتبعتُهُ، فانفتح له الباب من غير مفتاح، فخرج، ومشيتُ معه خطوات، فإذا نحن بمكَّة، فأحرم الشَّيخ، وطاف وسعى، ثمَّ طاف إلى أثناه اللَّيل، ورجع، فمشيتُ خلفه، فإذا نحن بالرَّواحيَّة)، فالحاكي الأوَّل عنه مجهولٌ، وبوَّاب الرَّواحيَّة مُبهمٌ لم أقف عليه، والطَّريق إليهما منقطعٌ، وهذه الحكايات لا تحتمل التفرُّد، كيف ولم يتطرَّق لها خواصُّ طلبته الملازمين له -كابن العطَّار الذي نصَّ في (تحفة الطَّالبين) (ص 40) على أنَّ له الكرامات الطَّافحة- مع توافر الدَّواعي إلى نقلها.

(20) قاله الإمام النَّووي كما في (تحفة الطالبين) (ص 46)، والجراية هي حصَّة الطَّالب اليوميَّة من الطعام والشَّراب.

(21) قاله اللَّخمي في (ترجمة الإمام النَّووي) (ص 31).

(22) قاله الإمام النَّووي كما في (تحفة الطالبين) (ص 46).

(23) سأله عن ذلك تلميذه بدر الدين محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكناني (المتوفى 733هـ)، ثمَّ حكاه للأدفوي كما في (البدر السافر) (2/1090).

(24) انظر: (تحفة الطالبين) (ص 51-52).

(25) حكى ذلك عنه تلميذه ابن جماعة الكناني كما في (البدر السافر) (2/1091).

(26) قال السَّخاوي في (المنهل العذب الروي) (ص 121-122): (وجدتُ بخطِّ الشَّرف القدسي رواية عن العزِّ بن جماعة، عن أبيه البدر: أنَّ الشَّيخ أنشده لنفسه بالمدرسة الرَّواحيَّة) فذكرها، والصَّواب أنَّها لشيخه ابن أبي اليُسر، كما رواها عنه اليُونيني في (مشيخته) (ص 97)، و(ذيل مرآة الزمان) (3/45).

السبت، 1 نوفمبر 2025

التُّحفة العليَّة برواية الإمام النَّووي للحديث المسلسل بالأوَّليَّة

التُّحفة العليَّة برواية الإمام النَّووي للحديث المسَلْسَل بالأوَّليَّة

بقلم: عبد الله بن محمَّد سعيد الحسيني

الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فإنَّ من بديع العناية بالحديث النَّبوي الشَّريف تتابع رجال إسناده على صفةٍ أو حالةٍ للرُّواة أو الرِّواية، والذي يُنعت بالحديث المسَلْسَل، ويكفي من (فوائده: اشتماله على مزيد الضَّبط) [1]، ممَّا يعني أنَّهم ضبطوا المتن من باب أَولى.

ومن أشهر الأحاديث المسلسلة وأصحِّها التي تتابع رواة إسناده واحدًا بعد واحد على إسماعه وسماعه بحيث كان أوَّل حديث سمعه كل واحد منهم من شيخه، وتنتهي السِّلسلة إلى الإمام سُفيان بن عُيينة هو الحديث المُسَلْسَل بالأوَّليَّة: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ) [2].

وقد اعتَنى به الأئمَّة الحفَّاظ غاية العناية، فافتتحوا به مجالس التَّحديث والأمالي، وضمَّنوه مسموعاتهم، وإجازاتهم، وأثباتهم، ومعاجمهم، وفهارسهم، وأفردوه بالتَّصنيف، ونظموا فيه الأبيات اللَّطيفة.

وإنَّما قدَّموا هذا الحديث الشَّريف على غيره حتَّى (يقتدي به طالب العلم، فيعلم أنَّ مَبنَى العِلم على التَّراحم والتَّوادد والتَّواصل، لا على التَّدابر والتَّقاطع، فإذا شبَّ الطَّالب على ذلك، شبت معه نعرة التَّعارف والتَّراحم، فيشتدّ ساعِدهُ بذلك، فلا يشيبُ إلَّا وقد تخلَّق بالرَّحمة، وعرَّف غيره بفوائدها ونتائجها، فيتأدَّب الثَّاني بأدب الأوَّل) [3].

ولا ريب أنَّ الإمام أبا زكريَّا محيي الدِّين يحيى بن شرف بن مِرَى النَّووي (631 هـ-676 هـ) رحمه الله تعالى ممَّن رَوَى هذا الحديث عن غير واحد بشرطه المعتبر جريًا على عادة أهل الفنِّ، لكن لم يتيسَّر لنا الوقوف على إسناده في ذلك، حتَّى هداني الله تعالى إلى موضعه بعد التَّنقيب في بطون الكتب والمخطوطات.

فممَّن تبيَّن لي أنَّ الإمام النَّووي يرويه عنه مسلسلًا: شيخُه أبو الفضل شرف الدِّين محمَّد بن محمَّد بن محمَّد التَّيمي البَكري (590 هـ-665 هـ)، عن أبي حفص عمر بن محمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد، عن أبي القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر ابن السَّمَرْقَنْدِي، عن شيوخه.

ويظهر ذلك من خلال القرينتَين التَّاليتَين:

الأُولى: أنَّ شيخه أبا الفضل شرف الدِّين محمَّد بن محمَّد بن محمَّد التَّيمي البَكْرِي يروي (جزء المسلسل الأوَّل من رواية الحافظ إسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدِي) المعنيّ برواية الحديث المسلسل بالأوَّليَّة بسماعه له غير مرَّة من شيخه أبي حفص ابن طَبَرْزَد بسماعه له من ابن السَّمَرْقَنْدِي بسماعه له من شيوخه [4].

الثَّانية: أنَّ الإمام النَّووي رَوَى حكايةً بقراءته لها على شيخه التَّيمي البَكْرِي، وهي في آخر الجزء المذكور بالإسناد نفسه، فقال ما نصُّه [5]:

(أخبرنا الشَّيخ الأمين السَّيِّد أبو الفضل محمَّد بن محمَّد بن محمَّد التَّيمي البَكْري بقراءتي عليه بكَلَّاسة جامع دمشق، قال: أخبرنا الشَّيخ أبو حفص عمر بن محمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد، قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عُمر السَّمَرْقَنْدِي، قال: سمعتُ عبد الدَّائم بن الحسن الهلالي يقول: سمعتُ عبد الوهَّاب بن الحسن الكلابي يقول: سمعتُ محمَّد بن خُرَيم العُقَيلي يقول: سمعتُ أحمد بن أبي الحَواري يقول: تمنَّيتُ أن أَرى أبا سليمان ‌الدَّاراني رحمه الله في المنام، فرأيتُهُ بعد سنة، فقلتُ: يا معلِّم، ما فعل الله بك؟ فقال: يا أحمد، جئتُ من باب الصَّغير، فلقيتُ وِسقَ شِيح، فأخذتُ منه عودًا، ما أدري تخلَّلتُ به أو رَميتُ به، فأنا في حسابه منذ سنة إلى هذه الغاية) ا.هـ.

وسأسوق هنا إسناد الإمام النَّووي في الحديث المسلسل بالأوَّليَّة عن شيخه التَّيمي البَكْرِي إلى ابن السَّمَرْقَنْدِي، ثمَّ أُكمله من الجزء المذكور، وجعلتُهُ بين معقوفتَين.

قال الإمام النَّووي -فيما ظهر لي-:

أخبرنا الشَّيخ الأمين المسنِد أبو الفضل محمَّد بن محمَّد بن محمَّد التَّيمي البَكْري، بقراءتي عليه بكَلَّاسة جامع دمشق، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: أخبرنا الشَّيخ أبو حفص عمر بن محمَّد بن مُعمَّر بن طَبَرْزَد، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السَّمَرْقَنْدِي، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: [حدَّثني عبد الله بن سَبْعُون بن يحيى بن أحمد السُّلَمِي القَيْرَواني أبو محمَّد من لفظه وحِفظه، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، وكَتَبَهُ لي بخطِّه، قال: حدَّثني الشَّيخ الحافظ أبو نصر عُبيد الله بن سعيد بن حاتم الوَائِلي [97/أ] السِّجِسْتَاني بمنزله بمكَّة -حرسها الله- في سوق اللَّيل، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: ثنا أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المُهَلَّبِي، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثنا أبو حامد أحمد بن محمَّد بن بلال النَّيْسَابُوري، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: ثنا عبد الرَّحمن بن بِشر بن الحَكَم، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثنا سُفيان بن عُيَينة [6]، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ [97/ب] منه، قال: ثنا عَمرو بن دينار، عن أبي قابوسَ مولَى عَمرو بن العاص [7]، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ارْحَمْ مَنْ فِي الأَرْضِ، يَرْحَمُكَ مَنْ فِي السَّمِاءِ).

قال: وحدَّثنا بهذا الحديث: القاضي أبو الفضل جعفر بن يحيى بن إبراهيم ابن الحَكَّاك من لفظه، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناهُ منه، قال: ابنا الشَّيخ الحافظ أبو نصر عُبيد الله بن سعيد بن حاتم الوَائِلي السِّجِسْتَاني [98/أ] بمكَّة، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه بقراءتي عليه، قال: ابنا أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز بن محمَّد المُهَلَّبِي، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمَّد بن يحيى بن بلال البزَّاز، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه سنة ثلاثين وثلاثمائة قال: حدَّثنا [98/ب] عبد الرَّحمن بن بِشر بن الحَكَم، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثنا سُفيان بن عُيَينة، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ من سُفيان بن عُيَينة، عن عَمرو بن دينار، عن أبي قابوسَ مولًى لعبد الله بن عَمرو بن العاص، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ [99/أ] يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمِاءِ).

قال إسماعيل: وحدَّثنا بهذا الحديث: الشَّيخ أبو عبد الله محمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الحُمَيْدِي، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثني أبو القاسم منصور بن النُّعمان بن منصور بن أحمد الصَّيْمَرِي إملاءً من [99/ب] كتابه على باب منزله بالفسطاط، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثني أبو نصر عُبيد الله بن سعيد بن حاتم الوَائِلي الحافظ، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثنا أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز بن محمَّد المُهَلَّبِي النَّيْسَابُوري، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثنا [100/أ] أبو حامد أحمد بن محمَّد بن يحيى بن بلال البزَّاز، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: حدَّثنا عبد الرَّحمن بن بِشر بن الحَكَم، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، قال: ثنا سُفيان بن عُيَينة [8]، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ من سُفيان [9]، عن عَمرو بن دينار، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، [100/ب] عن أبي قابوسَ مولًى لعبد الله بن عَمرو بن العاص، وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُهُ منه، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمِاءِ)].

هذا والله أعلم.

والحمد لله ربِّ العالمين.

---------------------------------------

[1] قاله الإمام النَّووي في (إرشاد طلاب الحقائق) (2/558)، و(التقريب والتيسير) (ص 125).

[2] رواه الترمذي في (السنن) (1924)، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، عن ابن أبي عَمْرو، وأبو داود في (السنن) (4941)، كتاب الأدب، باب في الرحمة، عن مُسدَّد وأبي بكر بن أبي شَيْبة، كلُّهم عن سفيان، به، وقال الترمذي: (هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)، وكذلك رواه ابن المبارك في (المسند) (270)، وابن وهب في (الجامع) (146)، والحميدي في (المسند) (602)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (5/214)، وأحمد في (المسند) (6494)، والمروزي في (البر والصلة) (128)، جميعهم عن سفيان، به، كما رواه الحاكم في (المستدرك) (7480) من طريق علي بن المديني، عنه، به، وصحَّحه، وجميع هؤلاء رَوَوْهُ من غير تسلسلٍ.

[3] مقتبس من (فهرس الفهارس) (1/93-94).

[4] هذا الجزء محفوظ في المجاميع العمريَّة بدار الكتب الظَّاهريَّة بدمشق رقم (2) [95-105]، وفيه طبقة سماع تفيد ذلك، وأفادني مشكورًا مأجورًا أخي فضيلة الشَّيخ رعد بن منير الحريري بنسخته الملوَّنة.

صورة تحتوي على خط يد, نص, رسالة, كتاب

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

صورة تحتوي على خط يد, كتاب, نص, رسالة

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

صورة تحتوي على خط يد, رسالة, فن الخط, نص

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

صورة تحتوي على خط يد, فن الخط, نص

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

صورة تحتوي على خط يد, فن الخط, نص, المستند

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

 

صورة تحتوي على خط يد, فن الخط, رسالة, نص

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

صورة تحتوي على خط يد, نص, رسالة, فن الخط

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح.

صورة تحتوي على خط يد, نص, كتاب, رسالة

قد يكون المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي غير صحيح. 

[5] (بستان العارفين) (ص 138)، ويُستدرك هذا الجزء المذكور أعلاه على مبحث (الإنباء بما سمعه الإمام النَّووي من الصِّحاح والمسانيد والسُّنن والأجزاء) في كتابي (بلوغ الثُّريَّا)، وعليه فلعلَّ ما ذكرتُهُ (ص 155، 567) فيه نظرٌ.

[6] هذا إسناد ثماني إلى سفيان.

[7] هكذا في الأصل، والصَّواب: (مولًى لعبد الله بن عَمرو بن العاص)، كما في سائر الرِّوايات المشهورة المعتبرة.
[8] هذا إسناد تساعي إلى سفيان.

[9] الصَّحيح أنَّ تسلسله ينقطع هنا كما قرَّر ذلك الأئمَّة، منهم: الإمام النَّووي في (إرشاد طلاب الحقائق) (2/558)، و(التقريب والتيسير) (ص 125).

 


الاثنين، 6 يناير 2025

الإِسفار عمَّا نَسَخَهُ الإمام النَّووي بخطِّه من الكُتب والأَسفار

 

الإِسفار عمَّا نَسَخَهُ الإمام النَّووي بخطِّه من الكُتب والأَسفار

بقلم: عبد الله بن محمَّد سعيد الحُسيني

الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فمن الجوانب الدَّقيقة التي تُساق كثيرًا في كُتب التَّراجم: عنايةُ المترجَم له بنَسخ الأجزاء والكتب، سواء لنفسه أو لغيره، وأحيانًا بيان مدى ضبطه وإتقانه فيه ووصْف خطِّه؛ وذلك من باب التَّعريف بشخصيَّته، وإثراء ترجمته، والإشارة إلى شغفه بالعلم وحرصه على نشره ومنزلته بين العلماء.

وقد يسَّر الله تعالى الوقوف على أسماء عددٍ من كُتب أهل العلم التي نَسَخَها الإمام محيي الدِّين أبو زكريَّا يحيى بن شرف بن مِرَى النَّووي الدِّمشقي (المتوفَّى 676هـ) رحمه الله تعالى بخطِّ يده، وقابلها بأصولها، فأحببتُ أن أسردها نشرًا للفائدة، وجمعًا للشَّاردة، مع أملٍ كبيرٍ أن يمنَّ الله عزَّ وجلَّ علينا باكتشاف المزيد منها مستقبلًا بإذنه سبحانه وتعالى.

1-«الإِبانة عن أصول الدِّيانة« لأبي الحسن الأشعري (المتوفى 324هـ):

قال ابن تيميَّة (المتوفى 728هـ) [1]:

«وقد نَقَلَهُ بخطِّه أبو زكريَّا النَّووي« ا.هـ.

وقال الذَّهبي (المتوفى 748هـ) [2]:

«و(كتابُ الإِبانة) من أشهر تصانيف أبي الحسن، شهَّرَهُ الحافظ ابن عساكر، واعتَمَدَ عليه، ‌ونَسَخَهُ بخطِّه الإمام محيي الدِّين النَّواوي رحمه الله« ا.هـ.

2-«التَّنبيه« في الفقه الشَّافعي لأبي إسحاق الشِّيرازي (المتوفى 476هـ) :

قال التَّقي السُّبْكِي (المتوفى 756هـ) [3]:

«لكنِّي رأيتُ في نسخةٍ من (التَّنبيه) بخطِّ ‌النَّووي .. «ا.هـ.

3-«الأنساب« لأبي سعد السَّمعاني (المتوفى 562هـ):

قال عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي (المتوفى 775 هـ) – بعد أن ذَكَرَ أنَّ ضبط لقب (الخيني) بكسر الخاء- [4]:

«هكذا ‌رأيتُ ‌بخطِّي ‌في ‌النُّسخة التي كتبتُها من (السَّمعاني) بكسر الخاء، ورأيتُ في نسخةٍ قابلها النَّواويُّ على أصل المصنِّف بفتح الخاء» ا.هـ.

4-«ذم الوسواس وأهله« للموفَّق ابن قُدامة المقدسي (المتوفى 620هـ):

قال الإمام النَّووي [5]:

«تمَّ الجزء بحمد الله وفضله، الحمد لله ربِّ العالمين حقَّ حمده، وصلواته وسلامه على سيِّدنا محمَّد خير خلقه، وعلى آله.

فرغتُ من كتابتِهِ: يوم الاثنين الرَّابع والعشرين من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستِّين وستمائة.

كَتبتُهُ من نُسخة الأصل التي سمعناها، وقابلتُهُ أيضًا عليها، وهي مسموعةٌ على المصنِّف رحمه الله« ا.هـ.

5-«فتاوى الإمام ابن الصَّلاح« (المتوفى 643هـ):

قال البرهان إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن الفِركاح الفَزَارِي (المتوفى 729هـ) [6]:

«قابلتُ هذه النُّسخة على نُسخةٍ اشتُهِر أنَّها بخطِّ: الشَّيخ، الإمام، العلَّامة، شيخ الإسلام، محيي الدِّين النَّووي رحمه الله، وهي نسخةٌ معتمدةٌ مصحَّحةٌ.

واجتهدتُ في مقابلة هذه النُّسخة، وتصحيحها، وإصلاحها بحسب الإمكان، وحضر المقابلة نسختان أخريان، والله المسؤول أن ينفع بها« ا.هـ.

6-«مختصر البسملة« لأبي شامة المقدسي (المتوفى 665هـ):

قال الإمام النَّووي [7]:

«فرغتُ من كتابتِهِ: يوم الثُّلاثاء العاشر من شوَّال سنة اثنتين وستِّين وستّمائة.

سمعتُهُ بقراءتي على مُصنِّفه.

كَتَبَهُ: يحيى بن شرف النَّواوي عفا الله عنه« ا.هـ.

تنبيه:

جاء في صفحة عنوان نسخةٍ خطِّيَّةٍ لكتاب «أسماء الضُّعفاء والوضَّاعين وذكر من جرحهم من الأئمَّة الكبار الحافظين« لابن الجَوزي (المتوفى 597هـ) ما نصُّه [8]:

«أظنُّه بخطِّ الشَّيخ محيي الدِّين النَّواوي رحمه الله في أوَّل طلبه ظنًّا قويًّا« ا.هـ.

وهذا الظَّنُّ المذكور ليس بصحيحٍ إطلاقًا [9]، فقد أفاد فضيلة الشَّيخ المحقِّق د. محمَّد بن عبد الله السّريّع أنَّ هذه النُّسخة إنَّما هي بخطِّ: محمود بن أبي القاسم بن بدران الدَّشْتِي (المتوفى 665هـ)، وذلك من خلال المقارنة والقياس مع قرائن أخرى، وستجد تفصيل ذلك في تحقيقٍ جديدٍ للكتاب سيصدره أحد الفضلاء قريبًا بإذن الله تعالى.

***

وتظهر ممَّا تقدَّم جملة من عاداته النَّبيلة في منسوخاته، أوجزها فيما يلي:

1-أنَّه كان ينسخ في عدَّة فنون؛ كالعقيدة، والفقه، والحديث، والفتاوى، والأنساب، ولا يقتصر على فنٍّ واحد، وكان لهذا أبلغ الأثر في تراثه.

2-أنَّه كان يتحرَّى أن تكون منسوخاته مُتقنة مُصحَّحة مقابلة على أصول نفيسة معتمدة ممَّا جعلها محلَّ احتفاء ومرجعيَّة علميَّة.

3-أنَّه كان يلتزم بكتابة قيد الفراغ منها بتفاصيله الأساسيَّة.

4-أنَّه كان يعتني أحيانًا بنسخ مصنَّفات وآثار شيوخه أو شيوخ شيوخه؛ للانتفاع بها، ورغبةً في نشرها، وبرًّا بأهلها.

5-أنَّه كان يحرص أحيانًا على سماعه لها على أحد شيوخه سواء بقراءته أو بقراءة غيره حتَّى يتَّصل سنده إليها ممَّا صيَّرها غاية في الضَّبط والإتقان.

والحمد لله ربِّ العالمين.

للتحميل1

للتحميل نسخة الألوكة

 ---------------------

[1] «مجموع الفتاوى« (3/224).

[2] «العُلو للعلي العظيم« (ص 219).

(كتاب العلو) للذَّهبي بخطِّ ابن ناصر الدِّين الدِّمشقي (المتوفى 842هـ)، مكتبة تشستربيتي، رقم (3302) [99/أ]

[3] هكذا نَقَلَهُ أبو زرعة ابن العراقي (المتوفى 826هـ) في «تحرير الفتاوي على التَّنبيه والمنهاج والحاوي« (2/296) عن التَّقي السُّبكي من كتابه «الابتهاج في شرح المنهاج«، ومن فوائد هذا النَّقل أنَّه أَثبَتَ عبارة «في نسخةٍ من التَّنبيه«، بينما سَقَطَت من بعض النُّسخ  الخطِّيَّة لكتاب «الابتهاج« التي اطَّلعتُ عليها.

(تحرير الفتاوي) بخطِّ تلميذ المصنِّف قابلها على نسخته، مكتبة علي باشا حكيم أوغلو، رقم (399) [188/ب]

[4] «الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفيَّة« (4/199)، وقد أفادني به مشكورًا مأجورًا فضيلة الشَّيخ علي الصَّمعاني، واقتصار عبد القادر القرشي على ذِكر رؤيته لنسخةٍ قابلها الإمام النَّووي على أصل المصنِّف لا ينفي أنَّه هو النَّاسخ لها أيضًا؛ إذ لو كان غيره لسمَّاه، ويظهر أنَّه أراد الإشارة إلى أصله النَّفيس الذي نسخ منه واعتمده وقابل عليه، كما في الأرقام (4) و(5) و(6)، وقد وجدناه يجمع هنا بين النَّسخ والمقابلة، ولم نقف على مجرَّد اكتفائه بمقابلة كتابٍ دون نَسخه، كما أنَّ إحالاته الكثيرة على الكتاب وإفادته المتكرِّرة منه تعزِّز ذلك.

(الجواهر المضية)، مقروءة على المصنِّف، مكتبة بلدية الإسكندرية، رقم (7263/1320 ب) [245/ب]

[5] سمعه على الشَّيخ أبي محمَّد أبي الفرج شمس الدِّين عبد الرَّحمن بن أبي عُمر محمَّد بن أحمد ابن محمَّد بن قُدامة المقدسي الصَّالحي الحنبلي (597 هـ - 682هـ)، بروايته له عن المصنِّف، وقد أفادني بهذه الوثيقة مشكورًا مأجورًا محقِّق الجزء فضيلة الشَّيخ حسن بن داود بو قليل.

(ذم الوسواس وأهله)، المكتبة الوطنيَّة بتونس، رقم (18408)

[6] ورد ذلك في آخر النُّسخة الخطِّيَّة لـ «فتاوى ابن الصَّلاح« المحفوظة في مكتبة تشستربيتي، رقم (3326) [94/أ]، بخطِّ: نظام الدِّين محمَّد بن عبد العزيز بن محمَّد الحنفي التي فرغ منها: يوم الخميس 11 من شهر شوال سنة 790هـ، وقد قابلها على نسخة البرهان الفَزَاري التي قُوبلت على نسخة الإمام النَّووي بخطِّه، فقال مبيِّنًا ذلك: «في آخر النُّسخة المنتسخة هذه منها بخطِّ الشَّيخ الإمام العالم برهان الدِّين أبي إسحاق إبراهيم بن الشَّيخ الإمام العالم تاج الدِّين عبد الرَّحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفَزَاري الدِّمشقي رحمه الله ما نصُّه« فساق الكلام أعلاه، علمًا أنَّ هذه الفتاوى التي نسخها الإمام النَّووي هي من جمع وترتيب شيخه كمال الدِّين إسحاق بن أحمد المغربي (المتوفى 650هـ) تلميذ ابن الصَّلاح.


[7] ورد ذلك في آخر النُّسخة الخطِّيَّة لـ «مختصر كتاب البسملة« المحفوظة في مكتبة تشستربيتي، رقم (3307) [408/أ]، بخطِّ: علي بن أيُّوب بن منصور المقدسي (المتوفى 748هـ) التي فرغ منها: يوم الثلاثاء 18 من شهر ربيع الأول سنة 701هـ بكلاسة جامع دمشق، وقد قابلها على نسخة الإمام النَّووي بخطِّه، فقال مبيِّنًا ذلك: «شاهدتُ في آخره ما مثاله« فساق الكلام أعلاه، ثمَّ قال: «نَقَلَهُ من خطِّه رحمه الله تبرُّكًا لنفسه: علي بن أيُّوب بن منصور المقدسي الشَّافعي وفَّقه الله« ا.هـ، وقد أفادني بهذه الوثيقة مشكورًا مأجورًا فضيلة الشَّيخ المحقِّق د. محمَّد بن يوسف الجوراني.

[8] المكتبة الظاهرية، رقم (1154)-علم الحديث [1/أ]، وقد أفادني بهذه الوثيقة مشكورًا مأجورًا فضيلة الشَّيخ المحقِّق د. محمَّد بن عبد الله السّريّع.

[9] يكفي لإثبات ذلك أن تقارن بين الوثيقة الأُولى من «ضعفاء ابن الجوزي« ووثيقة قيد السَّماع التي بأسفلها بخطِّ الدَّشْتِي لتلاحظ أوجه التَّطابق التَّام بينهما وأنَّهما ترجعان للكاتب نفسه دُون أدنى ريبة.


(جزء فيه ذكر أبي القاسم الطبراني وبعض مناقبه ومولده ووفاته) لابن منده، مكتبة أسعد أفندي، رقم (2431) [15/ب]